الأمن عبر التاريخ

الحـس الأمنـي لـدى الصحابـة

 

للدكتور: الدكتور إبراهيم علي محمد أحمد

 

قال الله تعالى:

( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ) (الأحزاب: 21).

 

 

   كل مسلم مُطَالب بأن يكون على قدر كبير من اليقظة والحذر، فالمؤمن كَيِّس فَطِن، فلابد أن يكون أهلاً للمسؤولية المنوطة به، ويؤدي دوره في الحياة وفق منهج دقيق منظم، وهذا يتطلب منه إحكام أعماله، وضبط تصرفاته، توخيًا لدفع كيد أعدائه.‏

والحس الأمني لابد منه لكل فرد من أفراد الأمة، في كل أمر من أمور حياته، الخاصة منها والعامة. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كلَّ ذي نعمةٍ محسود) ، فإذا كان الكتمان في الحوائج الشخصية المادية مطلوب، ومأمور به، ففي الحوائج العامة المتعلقة بمصير الأمة من باب أولى.‏

وقد كان الحس الأمني لدى أفراد الصحابة رضي الله عنهم في بدء الدعوة بمكة، ظاهرًا في مواقف عديدة، تؤكد مدى اهتمام السلف رضي الله عنهم بهذا الجانب، وتطبيقه في الحياة العملية للدعوة، وقد استخدموا مع كل موقف ما يناسبه، ويتطلبه من تصرف حذر سليم.. وسنحاول الوقوف على بعض هذه المواقف كل على حدة حسب المطالب التالية.‏

المطلب الأول: الحس والحذر لدى أم جميل رضي الله عنها

عندما أراد سيدنا أبو بكر رضي الله عنه الحصول على المعلومة الخاصة بمكان الرسول صلى الله عليه وسلم عقب الأذى الجسيم الذي تعرض له سيدنا أبو بكر من قِبل أعداء الدعوة، طلب من والدته أم الخير، الذهاب إلى أم جميل، لمعرفة مكان الرسول صلى الله عليه و سلم منها: (فخرجت ­أمُّ الخير­ حتى جاءت أمَّ جميل، فقالت: إنّ أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله؟ فقالت أم جميل: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك فعلت. قالت: نعم. فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعًا دنفًا . فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت: والله إن قومًا نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم. قال: فما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ قالت: هذه أمك تسمع. قال: فلا شيء عليك منها. قالت: سالم صالح. قال: أين هو؟ قالت: في دار الأرقم. قال: فإن لله عليّ ألا أذوق طعامًا ولا شرابًا، أو آتي رسول الله صلى الله عليه و سلم.. فأمهلتا، حتى إذا هدأت الرِّجْل، وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه و سلم).‏

هذا النص يظهر بوضوح الحس الأمني لأم جميل، الذي برز في عدة تصرفات، لعل من أهمها: ‏

أولاً: إخفاء الشخصية والمعلومة عن طريق الإنكار: ‏

عندما سألت أمُّ الخير أمَّ جميل، عن مكان الرسول صلى الله عليه و سلم، أنكرت أنها تعرف أبا بكر ومحمد بن عبد الله.. فهذا تصرف حذر سليم. إذ لم تكن أم الخير ساعتئذ مسلمة، وأم جميل كانت تخفي إسلامها، ولا تود أن تعلم به أم الخير.. وفي ذات الوقت أخفت عنها مكان الرسول صلى الله عليه و سلم مخافة أن تكون عينًا لقريش.‏

ثانيًا: استغلال الموقف لإيصال المعلومة: ‏

فأم جميل أرادت أن تقوم بإيصال المعلومة بنفسها لسيدنا أبي بكر رضي الله عنه، وفي ذات الوقت لم تظهر ذلك لأم الخير، إمعانًا في السرية والكتمان، فاستغلت الموقف لصالحها، قائلة: (إن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك فعلت). وقد عرضت عليها هذا الطلب بطريقة تنم عن الذكاء وحسن التصرف، فقولها: (إن كنت تحبين) ­وهي أمه­، وقولها: (إلى ابنك)، ولم تقل لها إلى أبي بكر، كل ذلك يحرك في أم الخير عاطفة الأمومة، فغالبًا ما ترضخ لهذا الطلب، وهذا ما تم بالفعل، حيث أجابتها بقولها: (نعم). وبالتالي نجحت أم جميل في إيصال المعلومة بنفسها.‏

ثالثًا: استغلال الموقف في كسب عطف العدو: ‏

يبدو أن أم جميل حاولت أن تكسب عطف أم الخير، فاستغلت وضع سيدنا أبي بكر رضي الله عنه، الذي يظهر فيه صريعًا دنفًا، فأعلنت بالصياح، وسبت من قام بهذا الفعل بقولها: (إن قومًا نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر). فلا شك أن هذا الموقف من أم جميل يشفي بعض غليل أم الخير، من الذين فعلوا ذلك بابنها، فقد تُكِنّ شيئًا من الحب لأم جميل، وبهذا تكون أم جميل كسبت عطف أم الخير، وثقتها، الأمر الذي يسهل مهمة أم جميل في إيصال المعلومة إلى سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه.‏

رابعًا: الاحتياط والتأني قبل النطق بالمعلومة: ‏

لقد كانت أم جميل في غاية الحيطة والحذر من أن تتسرب هذه المعلومة الخطيرة، عن مكان قائد الدعوة، فهي لم تطمئن بعد إلى أم الخير، لأنها مازالت مشركة آنذاك، وبالتالي لم تأمن جانبها، لذا ترددت عندما سألها سيدنا أبو بكر عن حال رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقالت له: هذه أمك تسمع؟ فقال لها: لا شيء عليك منها. فأخبرته ساعتها بأن الرسول صلى الله عليه و سلم سالم صالح، وزيادة في الحيطة، والحذر، والتكتم، لم تخبره بمكانه إلا بعد أن سألها عنه قائلاً: أين هو؟ فأجابته: في دار الأرقم.‏

خامسًا: تخيّر الوقت المناسب لتنفيذ المهمة: ‏

حين طلب سيدنا أبو بكر رضي الله عنه الذهاب إلى دار الأرقم، لم تستجب له أم جميل على الفور، بل تأخرت عن الاستجابة، حتى إذا هدأت الرِّجْل وسكن الناس، خرجت به ومعها أمه يتكئ عليهما. فهذا هو أنسب وقت للتحرك وتنفيذ هذه المهمة، حيث تنعدم الرقابة من قبل أعداء الدعوة، مما يقلل من فرص كشفها، وقد نفذت المهمة بالفعل دون أن يشعر بها الأعداء، حتى دخلت أم جميل وأم الخير بصحبة أبي بكر إلى دار الأرقم، وهذا يؤكد أن الوقت المختار كان أنسب الأوقات.‏

المطلب الثاني: الحس والحذر لدى نعيم بن عبد الله رضي الله عنه

حين خرج سيدنا عمر متوشحًا سيفه، لقيه نعيم بن عبد الله فقال له: أين تريد يا عمر؟ قال: أريد محمدًا هذا الصابئ، الذي فرّق أمر قريش، سفَّه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها فأقتله. قال له نعيم: والله قد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدًا؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأي أهل بيتي؟ قال: خَتَنك وابن عمك سعيد بن زيد، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما، وتابعا محمدًا على دينه .‏

والمتأمل في هذا النص، يمكنه الخروج بالملاحظات الآتية: ‏

أولاً: إخفاء الشخصية عن العدو: ‏

لم يكن سيدنا عمر رضي الله عنه يعلم بإسلام نعيم، لأنه كان يخفي إسلامه ، فحسبه سيدنا عمر مشركًا، مما سهل مهمة نعيم.. وإمعانًا في إخفاء الشخصية، قال سيدنا نعيم: محمـدًا ولم يقـل رسول الله، مع العلم أن الصحابة لا ينادون الرسول صلى الله عليه و سلم باسمه، وإنما يقولون رسول الله، ونبي الله، ولكن المقام هنا يتطلب من نعيم أن يقول محمدًا، كي يطمئن له عمر، أكثر ويحدثه بما ينوي عمله، وهذا ما تم فعلاً.‏

ثانيًا: الحصول على المعلومة: ‏

استوقف  سيدنا نعيم سيدنا عمر لما رآه متوشحًا سيفه استوقفه، وسأله عن وجهته بقوله: أين تريد يا عمر؟ فحصل سيدنا نعيم من ثمّ على معلومة في غاية الخطورة، تتمثل في نية عمر قتل قائد الدعوة. فهذا تصرف في غاية الحكمة والذكاء، إذ استطاع سيدنا نعيم الحصول على هذه المعلومة التي جعلته يتخذ أساليب أمنية دقيقة وعاجلة كما سنرى.‏

ثالثًا: درء خطر العدو وصرفه عن هدفه: ‏

بعد أن علم نعيم نية عمر رضي الله عنهما، عمل على درء هذا الخطر، فاستخدم معه أسلوب الترهيب، حيث هدده، إن هو أقدم على قتل محمد، فإنه سوف يُقتـل هو أيضًا من قِبـل بني عبـد منـاف، ولم يكتف سيدنا نعيم بذلك، بل أخبره بأمر لم يستطع سيدنا عمر معه صبرًا، وذلك حين أخبره بإسلام ابن عمه وأخته، فغيَّر عمر رضي الله عنه وجهته مباشرة، وبدل أن يتجه لقتل محمد صلى الله عليه و سلم اتجه نحو بيت أخته. وبذلك يكون سيدنا نعيم رضي الله عنه قد نجح فعلاً في درء خطر العدو، وصرفه عن هدفه الحقيقي، وهذا تصرف في غاية الدقة والإحكام.‏

رابعًا: التضحية بأفراد من أجل المصلحة العامة: ‏

لا شك أن معرفة سيدنا عمر وعلمه بإسلام أخته وابن عمه يشكل خطورة كبيرة عليهما، ولكن إذا قورنت بخطورة قتل قائد الدعوة، كانت أخف وأقل، لذا حاول سيدنا نعيم أن يضحي بأفراد من أجل المصلحة العامة، فإذا لحق ضرر بسعيد وفاطمة فهو أخف وأهون بكثير مما يمكن أن يلحق بقائد الدعوة. هذا إلى جانب أن سيدنا نعيم راعى الناحية العاطفية التي تربط بين عمر وابن عمه وأخته، فهي يمكن أن تخفف من شدة الغضب لدى سيدنا عمر، وبالتالي تخف وطأة العقاب على سعيد وفاطمة، وهذا ما تحقق، فعندما رأى سيدنا عمر الدم ينزل من وجه أخته، تحركت فيه العاطفة، ورقّ قلبه، فكان ذلك من أسباب إسلامه.‏

المطلب الثالث: الحس والحذر لدى خَبَّاب وسعيد وفاطمة رضي الله عنهم

حينما سار سيدنا عمر إلى منزل ابن عمه سعيد، كان بداخل المنزل سعيد وخباب بن الأرتّ وفاطمة زوج سعيد، فلمّا سمعوا صوت عمر، تغيب خباب في مخدع  لهم، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة، وجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة ؟ قالا: ماعدا حديث تحدثناه بيننا .. وهنا يمكن أن نلمح ما يلي: ‏

أولاً: سرعة وسلامة التصرف حيال الطوارئ: ‏

سرعة التصرف وعدم الارتباك من الأمور الهامة والضرورية، لتفادي الحالات الطارئة، التي قد يتعرض لها أهل الدعوة، فمتى ما كان التصرف سليمًا وسريعًا، أمكن تفادي الخطر، وكانت النتائج إيجابية غالبًا.‏

لذا كان تصرف المجموعة الدعوية المكونة من سعيد، وخباب، وفاطمة، سريعًا وسليمًا، حيث تغيب خباب في المخدع، وأخفت فاطمة الصحيفة، وتصدى سعيد لمقابلته وفتح الباب له، وذلك عندما علموا أن القادم عمر، المعروف بشدته ضد الدعوة والدعاة.‏

ثانيًا: إخفاء الأثر من العدو: ‏

إخفاء الأثر من العدو، أمر لابد منه، فالأثر كالخيط والدليل الذي يقود الأعداء إلى مبتغاهم، لذا يجب إخفاء وإزالة أي أثر يمت إلى الدعوة، أو المدعوين بصلة، وهذا ما فعلته فاطمة رضي الله عنها حين جعلت الصحيفة تحت فخذها، وهو موضع لا يتطرق إليه الشك، وبالتالي تكون قد أخفت وثيقة خطيرة عن أعين عمر بن الخطاب، بالرغم من أن عمر اطلع عليها فيما بعد، ولكن العبرة بالتصرف السليم في إخفاء الأثر.‏

ثالثًا: اختفاء خباب رضي الله عنه: ‏

إن اختفاء خباب رضي الله عنه، لم يكن عن جبن أو خوف، بل هو تصرف أمني تمليه ظروف الزمان والمكان، ويتطلبه الموقف، فإذا وجد سيدنا عمر خباب مع سعيد وفاطمة، فإن هذا يؤدي إلى كشف معلومة خطيرة وبالغة الأثر على سير الدعوة في مثل هذه المرحلة، حيث كان خباب يقرئ سعيدًا وفاطمة القرآن، وهي خطة وضعت لتعليم المسلمين في تلك الظروف الصعبة، فإذا علم سيدنا عمر بذلك أخبر قريشًا، وربما نتج عن ذلك مراقبة دقيقة لمنع مثل هذا النوع من الاجتماعات، وبالتالي تخسر الدعوة وسيلة هامة وفعالة في تعليم المستجيبين.. وحتى لا يتحقق ذلك، اختفى سيدنا خباب رضي الله عنه.‏

رابعًا: خفض الصوت أثناء الاجتماع: ‏

لقد كان سيدنا خباب يقرئ سعيدًا وفاطمة القرآن بصوت منخفض، لدرجة أن الذي بالباب لم يستطع أن يتبينه، حيث وصفه سيدنا عمر (بالهينمة) ­وهي صوت كلام لا يفهم­ وهذا تصرف أمني ضروري.‏

خامسًا: التعريض والتورية : ‏

عندما سأل سيدنا عمر عن الصوت غير المفهوم، كانت الإجابة بعبارة تحمل في ظاهرها خلاف ما يريده قائلوها، وهذا نوع من التورية، فهم لم ينكروا أن هناك صوتًا، بل اعترفوا بأنه حديث دار بينهم، وهو حس أمني عال لسعيد وفاطمة، فعادة الحديث الذي يدور بين اثنين يكون بصوت منخفض، لا يميزه من يكون على مقربة منهم، لذا يمكن أن يوصف بالهينمة. فهم لم ينكروا، وإلا لتأكد لعمر أنهم يكذبون ويخفون عنه الحقيقة، وذلك لسماعه الصوت، لكنهم اعترفوا دون أن يصرحوا بما في أنفسهم، وهو نوع من التعريض، المطلوب في مثل هذا الموقف.‏

سادسًا: استغلال الفرصة لكسب العدو: ‏

ويظهر ذلك عندما طلب سيدنا عمر من فاطمة أن تعطيه الصحيفة، فاستغلت فاطمة الفرصة السانحة، فطلبت منه أن يغتسل، ففعل، ثم قرأ، فخشع قلبه، وهنا خرج سيدنا خباب بعد أن سمع ثناء سيدنا عمر على القرآن، فاستغل ذلك الموقف، فقال: أبشر يا عمر، والله إني لأرجو أن يكون الله خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس وهو يقول: (اللهم أيد الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي الحكم بن هشام)، فالله الله يا عمر . من ذلك يتضح مدى اليقظة التي كان يتمتع بها كل من خباب وفاطمة، والقدرة على اغتنام الفرص، لكسب العدو، وكان نتاج ذلك أن أسلم سيدنا عمر رضي الله عنه.‏

المطلب الرابع: الحس والحذر لدى علـي وأبـي ذَرٍّ، رضي الله عنهما

قدم أبو ذر الغفاري إلى مكة باحثًا عن الدين الجديد، الذي ظهر بها، وكان ينوي مقابلة الرسول صلى الله عليه و سلم، وهو لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، فاستضافه سيدنا علي ثـلاث ليال، قـال له بعـدها: ما أمـرك؟ وما أقدمك هذه البلدة؟ فأجابه أبو ذر بقوله: إن كتمت عليّ أخبرتك. وفي رواية: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا أن ترشدني أخبرك، قال: فإني أفعل، قال: بلغنا أنه خرج هاهنا رجل يزعم أنه نبي الله، فأرسلت أخي يكلمه فرجع ولم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه. فقال علي: أما إنك قد رشدت، وهذا وجهي إليه، أدخل حيث أدخل، فإن رأيت أحدًا أخافه عليك قمت إلى الحائط، كأني أصلح نعلي، وفي رواية: كأني أريق الماء، فامض أنت،  فسار علي وأبو ذر خلفه، حتى دخل على النبي صلى الله عليه و سلم .‏

من النص السابق تتبين عدة جوانب هامة، من أبرزها: ‏

أولاً: التأني والتريث في الحصول على المعلومة: ‏

لقد تأنى سيدنا أبو ذر الغفاري في السؤال عن الرسول صلى الله عليه و سلم، وكره أن يسـأل عنـه، لما يعرفـه من كراهيـة قريش لكـل من يخاطب الرسول صلى الله عليه و سلم، وهذا التأني تصرف أمني تقتضيه حساسية الموقف، فلو سأل عنه، لعلمت به قريش، وبالتالي قد يناله من العذاب الشيء الكثير أو يطرد، ويخسر بالتالي الحصول على المعلومة، التي من أجلها حضر، وتحمل في سبيلها مصاعب ومشاق السفر.‏

ثانيًا: الاحتياط والحذر قبل النطق بالمعلومة: ‏

حين سأل سيدنا عليُّ أبا ذر عن أمره، وسبب مجيئه إلى مكة، لم يخبره، بالرغم من أنه استضافه ثلاثة أيام، إمعانًا في الحذر، فاشترط عليه قبل أن يخبره أن يكتم عنه، وفي ذات الوقت أن يرشده، فهذا غاية في الاحتياط، وبذا يكون قد ضمن السرية والكتمان لأمره، وفي الوقت ذاته الحصول على المعلومة، التي يبحث عنها، وهذا ما تم بالفعل.‏

ثالثًا: التغطية الأمنية للتحرك: ‏

تم الاتفاق بين عليٍّ وأبي ذر على إشارة، أو حركة معينة، كأنه يصلح نعله، أو كأنه يريق الماء، وذلك عندما يرى سيدنا علي من يترصدهم، أو يراقبهم، فهذه تغطية أمنية لتحركهم تجاه المقر (دار الأرقم)، هذا إلى جانب أن أبا ذر كان يسير على مسافة من علي، فيُعد هذا الموقف احتياطًا، وتحسبًا لكل طارئ، قد يحدث أثناء التحرك.‏

سُقْنَا هذه الأمثلة، لنؤكد تفوق الصحابة رضي الله عنهم في الجوانب الأمنية، بينما نجد في المقابل أن الحس الأمني لدى الكفار كان ضعيفًا.. ويمكن أن يلاحظ فشلهم هذا في عدة مواقف، منها: عدم معرفة المقر الخاص (دار الأرقم) للمسلمين، فلو كانت المراقبة اللصيقة متوفرة، لأمكن معرفة الدار عن طريق المتابعة، لأحد أفراد الدعوة، حتى يمكن من خلال مراقبته الوصول إلى الدار، ولكنهم فشلوا في ذلك. وكذلك عدم معرفة قريش، لكثير من الذين دخلوا في الإسلام حتى من قبل أقربائهم، فسيدنا عمر رضي الله عنه مثلاً، لم يكن يعلم بإسلام أخته وابن عمه، وهم أقرب الناس إليه. فهذا دليل أيضًا على عدم المراقبة اللصيقة حتى لأقرب الأقربين.‏

لقد كان الحس الأمني لدى أفراد قريش ضعيفًا، فمثلاً سيدنا عمر رضي الله عنه، لم ينتبه لنعيم بن عبد الله عندما أخذ منه المعلومة، ثم ضلله عن هدفه.. وكذلك والدة سيدنا أبي بكر رضي الله عنهما، لم يكن لديها الحس، الذي يمكنها من التعرف على أن أم جميل مسلمة، وأنها تعلم بمكان النبي صلى الله عليه و سلم .. وكذلك لم تكن رقابة الكفار إلى الوافدين لمكة وتحركاتهم متوفرة في تلك الفترة، بدليل أن سيدنا أبا ذر رضي الله عنه جاء وجلس ثلاث ليال في الحرم، يبحث عن الرسول صلى الله عليه و سلم ، حتى أخذه سيدنا علي معه إلى منزله واستضافه عنده، ولم يكتشف أمره. ‏

وثمة سؤال لابد من الوقـوف عنـده، وهو مـا دام أن أهـل مكـة لا يهتمون بالجوانب الأمنية، فمن أين اكتسب الصحابة رضي الله عنهم هذا الجانب، وما هم سوى أفراد من ذلك المجتمع المكي؟‏

لعل الإجابة تكمن في أن هذا الجانب، كان من ضمن ما يتلقونه من النبي صلى الله عليه و سلم، وهذا ربما يعلل اختلاف التصرفات للصحابة بعد الإسلام.. ومما يؤكد تلقي الصحابة لهذه التربية الأمنية من النبي صلى الله عليه و سلم، الأحاديث التي تؤيد ذلك ومنها: (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود) .‏

فيما سبق، أوردنا نماذج تعبر عن مدى توفر الحس الأمني لدى الصحابة رضي الله عنهم في بدء الدعوة، حيث تبين مدى تغلغل هذا الجانب في نفوسهم، حتى أصبح سمة مميزة لكل تصرف من تصرفاتهم الخاصة والعامة، فأتت تحركاتهم وتصرفاتهم منظمة ومدروسة..

ولهذا فما أحوجنا الآن لمثل الحس الذي كان عند الصحابة بعد أن أصبح للأمن في عصرنا أهمية بالغة في زوال واستمرار الحضارات، وأصبحت له مدارسه الخاصة وتقنياته المتقدمة، وأساليبه ووسائله المتطورة، وأجهزته المستقلة، وميزانياته ذات الأرقام الكبيرة، وأضحت المعلومات عامة والمعلومات الأمنية خاصة، تباع بأغلى الأثمان، ويضحى في سبيل الحصول عليها بالنفس إذا لزم الأمر .‏

وما دام الأمر كذلك، فعلى المسلمين الاهتمام بالناحية الأمنية، حتى لا تصبح قضايانا مستباحة للأعداء، وأسرارنا في متناول أيديهم. ولابد أن يكون كلامنا موزونًا، فلا نلقي القول على عواهنه، فرب كلمة يقولها عابر سبيل في مقهى، أو سيارة أو نادي يتلقفها جاسوس، أو عميل تؤدي إلى نكبة قاصمة للظهر، وخسائر فادحة في الأرواح والأموال .‏

وعلى المسلمين الاهتمام بالحس الأمني، والتحدث عن ذلك في جميع مؤسساتهم السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وأن تكون التوعية عبر وسائل الإعلام المسموعة، والمقروءة، والمشاهدة، وعبر المؤسسات التعليمية على مختلف مراحلها.‏

كما لابد أن يُنَبَّه الناس إلى خطورة الإهمال، وتتم توعيتهم بالمواضيع التي لا يجوز أن يخوضوا فيها أمام العامة، حتى يدركوا مع من يتكلمون؟ ومتى؟ وأين؟ وكيف؟ ويحاطوا علمًا بأساليب، ووسائل الأعداء في الحصول على المعلومات، وتقدم لهم الأدلة الشرعية الدالة والآمرة بالتزام هذا الجانب، وتلك التي تتوعد من يفشي سر الأمة، وعقوبة ذلك في الدنيا والآخرة.. وبقليل من البذل والعمل، يمكن أن يتحول المجتمع المسلم كله، إلى حواس متقدمة، تعمل بدقة في خدمة الأمة وأهدافها.‏

 

مقالات ذات صلة