عين على العدو

خلافات «التهدئة» في إسرائيل تكشف عمق الترابط بين العسكري والحزبي والشعبي

نصوص من الصحافة الإسرائيلية


خلافات «التهدئة» في إسرائيل تكشف عمق الترابط بين العسكري والحزبي والشعبي


السفير اللبنانية


اختلط الحابل بالنابل في حكومة إسرائيل ولم يعد بالوسع التمييز بين خلافات سياسية ذات طبيعة حزبية وخلافات حول مواقف أمنية كالموقف من التهدئة. وكان وزير الدفاع إيهود باراك أول من أشار إلى ذلك عندما اتهم وزراء كديما بعرقلة التوصل إلى اتفاق حول التهدئة جراء صراعهم على خلافة أولمرت. ولم يتأخر رد كديما فجاء أولا على لسان نائب رئيس الحكومة حاييم رامون الذي اعتبر أن اقوال باراك هي «وقاحة وفظاظة».


وقد انضم لحفلة التشهير الداخلية هذه رئيس الحكومة إيهود أولمرت الذي اتهم في اجتماع لوزراء كديما وزير الدفاع باراك بأنه من يعيق العملية العسكرية المطلوبة في قطاع غزة. وشدّد أولمرت في نوع من الرد على باراك على أن «كل اتهام بأن اعتبارات حزبية تختلط بالقرار الأمني هو اتهام باطل».


والواقع أن التخبط الإسرائيلي تجاه التهدئة لا ينبع فقط من اعتبارات حزبية داخلية وإنما كذلك من اعتبارات ميدانية وسياسية عليا. فالحكومة الإسرائيلية عاجزة حتى اليوم عن تحديد الهدف من أية عملية واسعة النطاق في غزة. فإذا كان الهدف هو وقف إطلاق الصواريخ فإن أبجديات العقل الأمني الإسرائيلي تقول بوجوب احتلال المنطقة التي تطلق منها الصواريخ إذا عجزت وسائل الردع الأخرى. وهذا الاحتلال يعني عودة إلى الوراء إلى ما كان عليه الحال قبل تنفيذ خطة الفصل أو حتى إلى ما قبل تنفيذ اتفاقيات أوسلو.


ومن الجائز أن أكبر دليل على التخبط السياسي هو الموقف الذي يطلقه عدد من قادة اليمين الإسرائيلي الذين كانت فوهة المدفع هي وسيلة التعبير الأقرب عن موقفهم. فقد رأى عدد من هؤلاء مؤخراً أنه لا ينبغي لإسرائيل شن عملية واسعة في غزة، لأن في ذلك خدمة لأغراض أجنبية. وهم في ذلك يعتقدون أن العملية الواسعة في القطاع تعني بالضرورة إضعاف أو تدمير سلطة حماس. وهذا يخدم في نظرهم تطلعات الإدارة الأميركية إلى تقريب التسوية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، حيث لا خيار لإسرائيل، والحال هذه، سوى تسليم القطاع بعد احتلاله لسلطة الرئيس محمود عباس.


ولكن بعيداً عن الاعتبارات السياسية والحزبية هناك اعتبار ميداني لا يمكن إغفاله وهو عدم لهفة الجيش الإسرائيلي لخوض معركة غزة إلا بشكل محدود وحذر. فالجيش يعتقد أصلاً أن قطاع غزة مستنقع لا يجب العودة للغرق فيه من جديد مهما يكن الحال. وعلاوة على ذلك فإن القتال في القطاع خلق صورة لدى الجيش الإسرائيلي عن نفسه مغايرة للواقع وقد اضطر لدفع ثمن هذه الصورة في حرب لبنان الثانية. كما أن عامين من التدريب واختبارات جس النبض في العمليات الهجومية المتكررة على القطاع لم تعد الثقة إلى نفوس القادة الكبار في الجيش. وبقيت الرغبة في الهجوم حكراً على صغار الضباط أو بعض كبار الضباط ممن يرغبون في تحقيق بطولات ولو على سبيل المقامرة.


ففي ذهن رئيس الأركان غابي أشكنازي تكمن المفارقة في تصور كل من المجتمع والجيش الإسرائيلي عن الآخر. فالمجتمع يكاد يصدق الجيش الذي أشاع في السنوات الأخيرة فكرة «حرب بصفر خسائر». وهو لذلك ينتظر من الجيش أن يحقق له المعجزات من دون أن يضطر لدفع أي ثمن. وبالمقابل فإن الجيش يرى أن المجتمع الإسرائيلي تغير لدرجة لم يعد يتقبل فيها أية تضحيات. وهو يرى أن لا حرب هذه الأيام، مهما كان ضيقاً نطاقها، يمكن أن تتم من دون خسائر. وأنه بصرف النظر عن الحجوم فإن احتلال غزة يتطلب مئات من القتلى في الجانب الإسرائيلي، إضافة إلى تعرّض مستوطنات غلاف غزة لقصف مدفعي وصاروخي محدود. والأهم أن كل ذلك لن يضمن الهدوء أبداً وبالتأكيد لن يضمنه لفترة طويلة.


وهذا ما جعل المراسلين العسكريين طوال الوقت يشيرون إلى أن رئيس الأركان أشكنازي يتعمد في المداولات الأمنية بشأن غزة الإشارة إلى مزايا وعيوب كل خيار ويطلب من الحكومة أن تتخذ القرار. فكل ما يريده هو ألا يقال عنه أنه دفع الحكومة لاتخاذ قرار بالهجوم على غزة أو الامتناع عن مثل هذا الهجوم.


وهنا تكمن المشكلة الجوهرية في الأداء الأمني والسياسي الإسرائيلي. فعلى الدوام كان هناك تناغم بين هذين المستويين، بحيث إن الجيش أدى مراراً دور الأداة لخدمة أغراض سياسية لهذا الحزب الحاكم أو ذاك. وكان يؤمن بأن هذه الخدمة تعود في الأساس بالمنفعة على مكانة الجيش في المجتمع وتضع قادته في مصاف أبرز نجوم المجتمع. غير أن ذلك كان في زمن نظرية الأمن التي تقول بالنصر الحاسم. ويبدو أن أحداً في إسرائيل اليوم لم يعد يؤمن بالقدرة على تحقيق انتصارات حاسمة من ذاك النوع.


وهذا ما حدا بالمراسل العسكري لـ«معاريف» عمير ربابورات للقول بأن نظرية الأمن التي وضعها دافيد بن غوريون والتي صمدت في الستين عاماً الأخيرة لم تعد ناجعة. فهذه العقيدة التي قالت بجيش قوي يردع الأعداء ويضرب بحزم ويحسم المعركة لم تعد ناجعة. وهي تتعرض للتشكيك بقوة بعد أن عجزت عن الحسم في حرب لبنان الثانية وأقامت تعادلاً، وها هي تتردد في الحسم في غزة وتخلق تعادلاً. وأشار المراسل إلى أن «اسرائيل اصبحت تخشى بالفعل على الأقل وفقاً للأمور التي قالها احد الوزراء الذين شاركوا في اتخاذ القرارات هذا الأسبوع: «العملية في غزة تعني ان ندفع ثمناً باهظاً وان لا نوقف صواريخ القسام مثلما لم نوقف صواريخ الكاتيوشا من قبل حزب الله»».

مقالات ذات صلة