عين على العدو

تجربة حماس في المقاومة والحكم ثروة للأمة.. ولكن كيف نستثمرها؟!

 


 


كان من أخطر تجليات الاستعمار الثقافي أننا أصبحنا نفكر بأساليب مادية فغفلنا عن أهم ثرواتنا، ولم نستخرج كنوزنا الفكرية والحضارية والثقافية والإيمانية ونستثمرها في بناء النهضة وتحرير الوطن وإعمار الأرض.


 


وعندما عاد الغرب إلى التفكير في رأس المال اللامادي، وبدأ المفكرون يشيرون إلى أهمية الثروات الحضارية والتجارب الإنسانية، وأن التجارب والخبرات والعلم والثقافة لها أهمية أكبر من الثروات المادية، لم نحاول الاستفادة من هذا التطور العلمي بالرغم من أننا نمتلك القدرة على تطوير علم جديد هو توظيف الثروات اللامادية واستثمارها لبناء المستقبل.. إن قوة الأمم لا تقاس بما تمتلكه من موارد اقتصادية أو أصول مادية فقط، ولكن هناك عوامل أخرى في تشكيل هذه القوة هي التاريخ وتجارب الكفاح والإسهامات الحضارية، والابتكار في مجالات السياسة والحكم والفكر والثقافة.


 


إن كل ما تمتلكه الأمة من لغة وثقافة وفكر وتاريخ وتجارب تشكل رأس مال لا مادي قد يفوق في أهميته رأس المال المادي، كما أن الدول قد تضيع ثرواتها المادية إذا لم تمتلك التجارب التي تعينها على استخدام هذه الثروات بشكل رشيد يحقق طموحات أبنائها ورفاهيتهم وحريتهم، وبما يحقق قوة المجتمع.


 


هناك الكثير من الدول التي امتلكت ثروات مادية هائلة لكن اقتصادها مازال تابعاً وضعيفاً، ولم تستخدم هذه الثروات لبناء مستقبلها وحماية استقلالها.


 


لذلك فإنه من الضروري أن نطور علماً جديداً يربط بين الثروات المادية واللامادية، ويستخدم رأس المال اللامادي لزيادة قوة الأمة وبناء مستقبلها.


 


تجربة كفاح متميزة


 


من أهم عناصر الثروة اللامادية تجارب الكفاح في فترات مختلفة من التاريخ، وفي ظل ظروف وتحديات متميزة، وكيفية مواجهة هذه التحديات، والتغلب على الهزائم، وتحقيق الانتصارات.


 


إن هذه التجارب يمكن أن تتحول إلى طاقة فاعلة في حياة الأمة، وتشكل مصدر إلهام لتجارب جديدة، ولحلول مبتكرة للمشكلات، هذه التجارب يمكن أن تتحول إلى أساس لبناء النهضة والتقدم، وتحقيق الحرية والاستقلال.


 


ولاشك أن صراعنا الطويل مع الاستعمار الغربي خلال القرنين الماضيين قد وفر للأمة تجارب متنوعة يمكن أن تشكل مصدر غنى وثراء للأمة، ويمكن أن تستخدم هذه التجارب في تحقيق الكثير من الانتصارات الكبرى في المستقبل على المشروع الاستعماري الغربي، وعلى أهم مرتكزات هذا المشروع وأهدافه وهو إقامة دولة “إسرائيل”، ولقد كانت الثورة الجزائرية من أهم تجاربنا الكفاحية التي تتميز عن كل تجارب الشعوب عبر التاريخ، وهي تشكل ثروة للأمة لم تستطع بعد أن تستخدمها في بناء المستقبل.


 


هذه الثورة أثبتت أن الأمة عصية على الذوبان في الآخر مهما بلغت قوته، ولن تتمكن أية قوة استعمارية من إخضاعها، وأن المشروع الاستعماري الغربي هو مشروع فاشل مهما امتد في الزمان ومهما استخدم من حديد ونار وقسوة وتعذيب، وأن الاستعمار لابد أن يرحل لأن أصحاب الأرض يعرفون أسرارها، ويعرفون كيف يستخدمون تلك الأسرار في تنويع أساليب مقاومتهم وابتكار ألوان جديدة من المقاومة، ومواصلة التحدي حتى يتحقق النصر.


 


كذلك قدمت المقاومة العراقية تجربة كفاحية متميزة لن تقل ثراء عن تجربة الثورة الجزائرية، وسوف تحقق انتصاراً مهماً في تاريخ الأمة، ومن المؤكد أن أمريكا تحاول البحث عن مخرج يحفظ لها ماء الوجه، ولا يكشف ضعفها أمام العالم، ولا يجعل الشعب الأمريكي يشعر بقسوة الهزيمة، لكن أمريكا لن تجد هذا المخرج، وسوف تضطر للانسحاب مهزومة خلال السنوات القليلة القادمة.


 


وسوف تشكل تجربة المقاومة العراقية ثروة ثقافية للأمة، وبداية لنهضة جديدة ولدورة حضارية قادمة.


 


نموذج جديد للمقاومة


 


أما تجربة حماس في المقاومة، فإنها تشكل أكثر تجارب الكفاح وحركات التحرر الوطني تميزاً وثراء وغنى.


 


والأمة الإسلامية كلها يجب أن تشعر بالفخر والاعتزاز بهذه التجربة، فهي إسهام حضاري إسلامي في تشكيل الحضارة الإنسانية، لقد قدمت حماس نموذجاً جديداً وحضارياً وإنسانياً للمقاومة.. وهذا النموذج يشكل مصدر إلهام لكل المظلومين الذين يكافحون لتحرير وطنهم وتحقيق استقلالهم.


 


إنه نموذج جديد يمكن أن تقلده كل حركات التحرر الوطني في العالم، إن بناء هذا النموذج يشكل في حد ذاته انتصاراً إنسانياً وحضارياً وثقافياً للأمة الإسلامية على المشروع الاستعماري الغربي الذي أقام “إسرائيل” بهدف منع الأمة الإسلامية من استعادة وحدتها وبناء نهضتها.


 


النموذج الذي قدمته حماس يعتمد على الإيمان والتضحية والثبات والإخلاص واستثمار الطاقات الإنسانية، وتحفيز قدرات الإنسان على المقاومة والصبر.. لقد تحول الإيمان في تجربة حماس إلى أهم أسلحة الإنسان، وأثبت أنه أقوى الأسلحة، وأن كل قوى العالم لا تستطيع أن تهزمه.



 


النموذج يمد جذوره بعمق في الحضارة الإسلامية، وهو دليل على حياة الأمة وقدرتها على تحقيق النصر، وأنه لا مجال للهزيمة فإما النصر أو الشهادة.


 


ولقد اعتمدت حماس على التربية الإيمانية الطويلة لجيل قرر أن يحول إيمانه إلى سلاح للمقاومة والصمود وتحقيق النصر.


 


ولذلك فقد تحدى كل طواغيت العصر حماس وفرضوا الحصار عليها لأنهم يعرفون خطورة هذا النموذج، وأنه يهدد بسقوط المشروع الاستعماري الغربي ثقافياً، وأن هذا النموذج يشكل ثروة لا يمكن أن تقدر بثمن، حيث يمكن استثماره في بناء مستقبل جديد للأمة.


 


ولقد أوضحت حماس للعالم كله ضعف “إسرائيل” في مواجهة هذا النموذج بالرغم من أن “إسرائيل” تمتلك القوة المادية والأسلحة الفتاكة التي لا تتردد في استخدامها في ارتكاب المذابح ضد الشعب الفلسطيني.. وهكذا فإن حماس تشرف البشرية كلها وتؤكد تميز الإنسان، بينما تلحق “إسرائيل” العار بالبشرية كلها بما ترتكبه من جرائم.


 


حماس تبني للأمة ثروة ثقافية وحضارية تتمثل في تجربة كفاحية متميزة، وتستثمر أجمل ما أعطاه الله للإنسان من مواهب وقدرات وتثبت أن الإنسان هو الذي يستطيع أن يحقق النصر بفضل الله وقوته، وما السلاح إلا أداة في يد مقاتل يمتلك قلباً وعقلاً وضميراً ويداً.


 


تجربة متميزة في الحكم


 


لكن انجاز حماس الثقافي والثروة الحضارية التي بنتها لا يتوقف فقط على النموذج الذي قدمته للكفاح الوطني، ولكنها قدمت نموذجاً جديداً للحكم الرشيد الذي جاء بقرار الشعب واختياره وبشرعية حقيقية مستمدة من حب الشعب.


 


وفي الوقت الذي تعاني فيه الشعوب من فساد حكامها وأنانيتهم واستبدادهم وبطشهم وصلفهم وغرورهم، قدمت حماس نموذجاً جديداً لحكام يعانون آلام الجوع كما يعانيها شعبهم، ويقودون شعبهم للتحرر، ويصرون على التمسك بحقوقه، ويقدمون أبناءهم فداء لوطن قرروا أن يحرروه بدمائهم.


 


حماس قدمت نموذجاً لحكام يعتبرون الحكم مسؤولية وواجباً والتزاماً أخلاقياً ووطنياً، وليس وسيلة للحصول على الامتيازات ونهب الثروات.


 


ولذلك تحالف طغاة العصر ضد حماس، لأن النموذج الذي قدمته للحكم لا يقل خطورة عن النموذج الذي قدمته للمقاومة، وهو يشكل ثروة عظيمة للأمة، وإسهاماً حضارياً إنسانياً تفخر به..


 


أيها الأحرار تضامنوا لرفع الحصار عن غزة.

مقالات ذات صلة