الأمن المجتمعي

القضاء اللبناني يكشف اختراقات للموساد وتنقّل عملائه من الجنوب إلى الشمال، مروراً بكافة الاراضي

 


… وصدر قرار خامس عن القضاء العسكري متهماً محمود رافع بالتعامل مع إسرائيل، والضلوع في اغتيال جهاد جبريل عام 2002. القرار المذكور، يكشف جزءاً من اختراق الإسرائيليين للأراضي اللبنانية، وتنقلهم، مع عملائهم، بحرّية على الأراضي اللبنانية.


كان عملاء المخابرات الإسرائيلية يجولون بكل حرية في الأراضي اللبنانية، من الجنوب إلى الشمال. يراقبون أهدافهم، يفجرون العبوات القاتلة ثم يعودون إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. أما أسلوب خروجهم من لبنان، فأمر آخر.


 أحياناً، تأتي قوة كوماندوس إسرائيلية إلى الشاطئ اللبناني، وتصطحب العملاء إلى عرض البحر، ومنه إلى أحد المرافئ الإسرائيلية. هذه الخلاصة يمكن الخروج بها من خلال القرارات القضائية الخمسة التي صدرت بحق محمود رافع، المتهم بالتعامل مع المخابرات الإسرائيلية، وكان آخرها القرار الذي أصدره أمس قاضي التحقيق العسكري الرئيس سميح الحاج، في قضية اغتيال جهاد أحمد جبريل عام 2002.


القرار المذكور يلخّص علاقة رافع بالمخابرات الإسرائيلية، منذ تجنيده بداية التسعينات على معبر كفر تبنيت الفاصل بين الأراضي المحررة والشريط الحدودي  في الجنوب الذي كان محتلاً، حين كان رافع رتيباً في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، حتى اعتقاله في حزيران 2006 بعد الاشتباه في ضلوعه باغتيال الأخوين نضال ومحمود المجذوب في صيدا. يتضمن القرار الأخير اعترافات رافع عن تردده إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة إما براً أو بحراً، أو جواً من العاصمة الإيطالية روما حيث زوّده الإسرائيليون بجواز سفر إسرائيلي. وفي فلسطين المحتلة، التقى رافع ضباطاً إسرائيليين وخضع لدورات تدريبية على استخدام أجهزة الاتصال والمتفجرات وفك الشيفرات وتحديد الأماكن على الخرائط الجوية. وبعد هذه التدريبات سلّمه الإسرائيليون عدداً من أجهزة الاتصالات المتطورة المخبأة في أثاث منزلي، وبيانات قيد إفرادية ورخص سوق مزورة، قبل تزويده لاحقاً بهواتف خلوية مبرمجة.


■ العملاء يجوبون الأراضي اللبنانية


ومن المهمات التي كشف القرار أن رافع كان مكلفاً بها: المساهمة في عمليات التخزين أو ما يُعرَف أمنياً بـ«البريد الميت». ومن أجل ذلك، استأجر شاليه في مسبح الغولدن بيتش بهدف بقاء الأشخاص المكلفين بعمليات التخزين فيه في حال عدم تمكنهم من العودة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي إحدى المرات، تلقى طلباً من الاستخبارات الإسرائيلية للتعرف بشكل جيد على الطريق الممتدة من كفرمتى إلى جسر القاضي، فنفذ التعليمات قبل أن يُطلَبَ منه التوجه إلى بلدة عميق في البقاع الغربي ليسلك طريقاً كان قد شاهدها سابقاً عند الإسرائيليين عبر جهاز فيديو. وصل رافع إلى عمّيق، وفي المكان والزمان المحدّدَين، صعد في سيارته مدنيان عرّفا عن نفسيهما بأنهما ميشال وهافي، بعدما وضعا في صندوق السيارة حقيبتين. انطلق رافع بهما إلى الطريق ما بين كفرمتى وجسر القاضي، وأنزلهما في نقطة حددت له سابقاً، ثم غادر ليتلقى بعد ساعتين اتصالاً من الإسرائيليين أبلغوه فيه بإعادة ميشال وهافي إلى عمّيق. وقال رافع في اعترافاته إنه علم أن الاسم الحقيقي لهافي هو إبراهيم ياسين، وأنه لبناني من بلدة الدلافة الجنوبية، وأنه موجود في إسرائيل.


وعدّد القرار بلدات لبنانية قال رافع إنه استخدمها لنقل أشخاص أو طمر وتخزين أموال ورسائل مشفرة وخرائط في أماكن محددة له ووضع علامات تمكِّن أشخاصاً يعملون مع الإسرائيليين من العثور عليها. وأبرز المناطق التي ذكرها رافع منطقة زندوقة قرب بيت مري ومنطقة مسبح ومطعم الأوراس وشركة الكهرباء في الجية وبحبوش ومتريت (في منطقة الكورة) وقرنايل ورأس الحرف وزبّوغا (المتن) ورويسة البلوط وكفرقطرة، إضافة إلى منطقة قريبة من عين معاصر الشوف والرملية والغابون والكنيسة في المتن.


وتبيّن أنه إضافةً إلى أعمال التخزين المشار إليها، كان الأفراد الذين ينقلهم رافع ينفذون اغتيالات من خلال زرع العبوات الناسفة، منها الانفجار الذي استهدف الشهيد علي ديب (أبو حسن سلامة) والشهيد علي صالح، إضافة إلى زرع عبوة ناسفة على جسر الزهراني لم تنفجر بعدما اكتشفها الجيش اللبناني، فضلاً عن العملية الأخيرة التي شارك فيها رافع، والمتمثلة باغتيال الأخوين محمود ونضال المجذوب في صيدا في أيار 2006.


■ دور رافع وخطاب في اغتيال جبريل:


وذكر القرار تفاصيل تجنيد محمود رافع لحسين خطاب الذي لم يكن في البداية يعلم أنه يعمل لحساب الإسرائيليين، من دون أن يبدي أي اعتراض على الأمر عندما علم حقيقة الجهة التي تشغّله. واعترف رافع بأن أول زيارة لخطاب إلى إسرائيل تمت بعدما حضرت قوة كوماندوس إسرائيلية إلى منطقة الجية، حيث كان رافع وخطاب بانتظارها، فنقلتهما إلى زورق في عرض البحر أقلهما إلى طرّاد ومنه إلى بارجة حربية أوصلتهما إلى مرفأ حيفا. بعد هذه الزيارة، تسلم رافع من ضابط إسرائيلي طاولة خشبية بداخلها جهاز اتصال لاسلكي، سلمها إلى حسين خطاب. وهنا طلب الإسرائيليون من رافع عدم التعاطي مع خطاب إلا بناءً على طلبهم.


وفي ربيع 2002، تلقى رافع تعليمات بالاتصال بحسين خطاب، فالتقى الرجلان في فردان، حيث أعلم الثاني الأول بأن الاستخبارات الإسرائيلية طلبت منه اغتيال جهاد أحمد جبريل، القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ــــ القيادة العامة ونجل أمينها العام، وأن مهمتهما هي استطلاع ورصد المبنى الذي يقطن فيه جهاد جبريل في مار الياس، وتصوير الطريق المؤدية إليه من كورنيش المزرعة، إضافة إلى الطريق الممتد من أوتيل الماريوت إلى المبنى الذي يقيم فيه جبريل. وبعد تنفيذ المطلوب، وضع رافع شريط الفيديو المصوّر في علبة ورماها من فوق الشريط الفاصل بين الأراضي اللبنانية والفلسطينية في منطقة العديسة.


عند الساعة 11:50 من يوم 20/5/2002 اغتيل جهاد جبريل بواسطة عبوة ناسفة زرعت في سيارة كان يقودها في المزرعة. وخلال التحقيق معه، أنكر رافع وجود أي دور إضافي له في الجريمة، مؤكداً أنه لا يعرف مدى تورّط خطاب فيها.


■ اختراق في الجبهة الشعبية؟


بعد مضي نحو شهر على اغتيال جبريل، طلبت المخابرات الإسرائيلية من محمود رافع تسلّم جهاز الإرسال الموجود في حوزة حسين خطاب ووضعه عنده بهدف إبعاد أي شبهة في حال حصول تفتيش لمنزل خطاب. فنفّذ رافع ما طُلِب منه، ونقل الجهاز إلى شاليه كان يقيم فيه في الغولدن بيتش، قبل أن يطلب منه الإسرائيليون مغادرة الشاليه واستئجار آخر. اختار رافع شاليه في طبرجا بيتش، ومكث بداخله مدة شهر بناءً على التعليمات الإسرائيلية، بعدما اعتقلت الجبهة الشعبية حسين خطاب للتحقيق معه لكونه كان مقرباً من الشهيد جبريل. ومما يلفت النظر في اعترافات محمود رافع أنه كان يتلقّى يومياً خلال الليل اتصالاً من الإسرائيليين يتم إعلامه فيه أن حسين خطاب لم يعترف بشيء. لاحقاً، أفرجت الجبهة الشعبية عن حسين خطاب، وعاد محمود رافع إلى حياته الطبيعية، منفذاً التعليمات الإسرائيلية، مقابل المال، حتى توقيفه إثر اغتيال أجهزة اتصال مخبّأة في أثاث منزلي صودرت من منزل رافع (أرشيف ــ أ ف ب)الأخوين مجذوب في أيار 2006. وبعد توقيف رافع، لم يعد خطاب إلى منزله حيث كانت القوى الأمنية اللبنانية تنوي توقيفه، وتوارى عن الأنظار في مكان لا يزال مجهولاً.


وقد اتهم القاضي الحاج في قراره كلاً من حسين خطاب ومحمود رافع بجنايات تصل عقوبتها إلى الإعدام، موجباً محاكمتهما أمام المحكمة العسكرية. كما سطّر مذكرة تحرٍّ دائم توصلاً لمعرفة كامل هوية ابراهيم ياسين، وعدد من الأشخاص الذين لا يعرف محمود رافع من هوياتهم سوى الألقاب.


هل سيكشف القضاء عن المزيد؟


توزّعت القرارات الاتهامية الصادرة بحق محمود رافع على جميع قضاة التحقيق العسكريين. ففي كانون الأول 2007، أصدر قاضي التحقيق العسكري الأول رشيد مزهر قرارين اتهمه فيهما بالتعامل مع العدو وزرع عبوة ناسفة في الناعمة لمحاولة اغتيال أحد المسؤولين الفلسطينيين عام 2002، إضافة إلى زرع عبوات قرب مثلث الزهراني عام 2004. في الشهر التالي، صدر قراران جديدان. الأول عن القاضي عدنان بلبل في قضية اغتيال الأخوين نضال ومحمود المجذوب في صيدا عام 2006، والثاني عن الرئيس جورج رزق في قضية اغتيال علي صالح في الضاحية الجنوبية عام 2003. قرار القاضي سميح الحاج أمس لن يكون الأخير، فلا تزال أمام القضاء قضية اعترف رافع بالضلوع فيها، وهي جريمة اغتيال القيادي في حزب الله علي ديب عام 1999. القرارات الخمسة التي صدرت تطلب محاكمة محمود رافع بتهم تصل عقوبتها حتى الإعدام.


(صحيفة الاخبار- حسن عليق)

مقالات ذات صلة