المخابرات والعالم

الرجل الذي ضحى بمستقبله المهني وأنقذ العالم من حرب عالمية ثالثة

المجد –

المكان: سيرباخوف-15، قيادة الصواريخ البالستية والإنذار المبكر ومركز التحكم في جنوبي موسكو.

الوقت: بعد منصف الليل، السادس والعشرون من شهر أيلول/سبتمبر، العام 1983.

قبل ثلاثين عاماً بالضبط، عندما أشارت نظم الإنذار المبكر أن الاتحاد السوفييتي كان تحت خطر هجوم نووي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، قرر ضابط الدفاع الجوي ستانيسلاف بيتروف، وفق غريزته، أن الإنذار كاذب. وهذا القرار أنقذ الجنس البشري، وأنهى حياة الرجل المهنية.

بداية القصة

كان ضباط نخبة قوات الدفاع الجوية السوفيتية على وشك بدء مناوبتهم الليلية في أكثر المنشآت العسكرية سرية. وجلس قائدهم، المقدّم ستانيسلاف بيتروف في كرسيه واستعد لما اعتقده مناوبة روتينية أخرى، ولكن دوي صفارات الإنذار كسر صمت القبو.

نظر الضباط إلى الشاشات العملاقة ورأوا وميض مشيرة إلى تعرض روسيا لهجوم نووي. وبدأ الزر الأحمر إلى جانب كرسي المقدّم يومض. إنه زر نهاية العالم وبدء إطلاق آلاف الصواريخ الروسية على الغرب.

 أخبرته أجهزة الإنذار بأن القمر الصناعي مولنايا أرسل إشارة إلى القبو. وبعد تحليل البيانات المرسلة من القمر الصناعي، خلصت أنظمة إنذار الكمبيوتر إلى أن صاروخاً بالستياً عابراً للقارات يحمل رؤوساً نووية متعددة انطلق من الولايات المتحدة الأمريكية. وحتى الموظفين كانوا في حالة صدمة، وأعلن النظام عن ثاني إطلاق صاروخي ومن ثم إطلاق آخر حتى وصل عددها إلى خمسة صواريخ تطير باتجاه المدن الروسية. وكانت هذه الصواريخ ستصبح فوق روسيا خلال ثلاثين دقيقة. وكان الكرملين بحاجة خمس عشرة دقيقة للبدء بالإطلاق، ويحتاج الجند في مواقعهم إلى عشر دقائق أخرى لتنفيذ الأمر. وفي حال تم التأخير، فإن فرصة الرد ستضيع إلى الأبد.

لا يوجد وقت للتفكير

كما قال بيتروف في مقابلة مع صوت روسيا:" لخمس عشرة ثانية، كنا في حالة صدمة. لقد كنا بحاجة أن نفهم، ماذا بعد؟"

كان هناك كثير من الصراخ. كانت الخرائط الالكترونية والأجهزة تومض. وافترض الضباط المرافقون له أنه إطلاق صاروخ أو صاروخين قد تكون أخطاء حاسوبية، لكن ليس وابلاً من خمسة صواريخ. إنها حقاً الضربة التي تنذر بنهاية العالم. كان عليه أن يضغط على الزر ويبدأ عملية الإطلاق.

العمل والجرأة والعالم

عندما يكون مصير العرق البشري بين يديك، فإن الذعر هو آخر شيء تريده. وسط كل هذا النشاز ونفاذ الوقت، قام بيتروف بشيء لا يُنتظر من رجل عسكري. فتمثل تجربة فاسيلي أرخيبوف، بطل أزمة الصواريخ الكوبية في العام 1962، الذي رفض إطلاق طوربيدات نووية على السفن الأمريكية على الرغم من الاستنفار الكبير، لقد تحدّى ضابط الدفاع الجوي البروتوكول واختار عدم تصديق بيانات الهجوم.

قرار بيتروف لم يكن يعتمد كلياً على الحظ، فقد قال:" عندما يبدأ الناس الحرب، فإنهم لن يبدؤوها فقط بخمسة صواريخ. تستطيع تحقيق ضرر قليل بخمسة صواريخ فقط" ، وأضاف: " ثانياً، الكمبيوتر، بحكم التعريف، ليس لديه ذهن. وتوجد أشياء كثيرة يمكن أن يعتبرها إطلاق صاروخ".

كم كان العالم قريباً من الحرب؟

كان بيتروف جزءاً من سلسلة أوامر تم تصميمها لاتخاذ قرار يمنع استخدام الصواريخ الإستراتيجية في موسكو بشكل عشوائي أو غير مقصود. وكانت مهمته الأساسية هي رصد إشارات القمر الصناعي.

كما أن الرادارات الروسية الأرضية العابرة للقارات لم تُسجّل أي إطلاق. ولا يُعرف ما الذي حدث داخل الكرملين في تلك الليلة، لكن من المرجح أن القيادة الروسية برئاسة يوري أندروبوف لم تكن لتطلق العنان للأسلحة النووية دون عدة تأكيدات، ومن ضمنها الخط الساخن إلى البيت الأبيض.

ولطالما كان لدى القيادة السوفييتية هاجس إمكانية حدوث ضربات مفاجئة نووية لروسيا من قبل الولايات المتحدة، لذلك أرسلت تعليمات إلى جواسيسها للبحث عن أدلة للتحضيرات. وأشارت المعلومات الاستخباراتية الروسية إلى أن ريغان، الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت، وجماعته يخططون لشيء مشابه للهجوم الذي شنّه هتلر على روسيا في العام 1941.

والأسوأ من ذلك، أنه قبل ثلاثة أسابيع فقط، كان هناك فتور كبير في العلاقات بعد أن قام الاتحاد السوفييتي بإسقاط طائرة تابعة للخطوط الجوية الكورية ضلت طريقها ودخلت مئات الكيلومترات في عمق روسيا. وقُتل فيها مائتا راكب من بينهم ضابط أمريكي، ووصفت واشنطن ذلك بأنه جريمة أخرى من جرائم "إمبراطورية الشر".

الجريمة والعقاب

وقد تبين لاحقاً أن الإنذارات الكاذبة كانت نتيجة ميل نادر لأشعة الشمس على السحب الموجودة على ارتفاعات عالية وعلى القمر الصناعي في مدراه.

أنقذ بيتروف كوكب الأرض في ذلك اليوم، ولكنه كشف عيوب النظام الذي كلّف بناؤه الكثير. وفي ظل النظام السوفييتي البائس، مكافأة بيتروف كانت بمثابة صفعة على وجه نخبة القوات السوفييتية. لذلك تمت معاقبته واحالته الى التقاعد.

لكن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، قام رؤساء بيتروف بالدعاية له وأصبح مشهوراً في الغرب. وفي فبراير/شباط 2013 نال جائزة دريسدن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى