عين على العدو

التهدئة في فلسطين ولبنان والعراق

 


يجول جورج بوش العالم مودعاً رؤساء الدول. ولايته تنتهي مطلع العام المقبل، وهو يريد قبل المغادرة أن يطمئن إلى أن بعض الاتفاقيات والعهود والوعود القائمة مع أصدقائه وحلفائه ستبقى نافذة. سيكون مستعداً، بطبيعة الحال، لتقديم الدعم اللازم لهؤلاء لتحسين قدراتهم على الوفاء بما تعهدوا به. في هذا السياق، قرر بوش ان يخدم نفسه من جهة وأصدقاءه وحلفاءه من جهة أخرى بإشاعة أجواء من التهدئة في مناطق الصراع والنزاع. فالتهدئة بين “حماس” و”إسرائيل”، وبين “فتح” و”حماس”، وبين “إسرائيل” وحزب الله، وبين “إسرائيل” وسوريا، وبين الأطراف العراقيين المتصارعين من جهة والولايات المتحدة وإيران من جهة أخرى هي عنوان مرحلة الانتقال من عهد بوش الجمهوري الذاوي إلى عهد خلفه الديمقراطي – الأرجح باراك أوباما – البازغ.


 


ليست الولايات المتحدة وحدها من يمرّ في مرحلة انتقالية. “إسرائيل” تمر أيضا في مرحلة الانتقال من عهد ايهود اولمرت، الذي ينتظر لائحة اتهامات جنائية لحمله على الاستقالة، إلى عهد خلفه من حزب “كاديما” أو، ربما، من حزب “ليكود”. ولبنان يمر أيضا في مرحلة الانتقال من عهد اميل لحود إلى عهد ميشال سليمان ومن ثم إلى عهد يتخطى مرحلة الصراع حتى حدود التناحر بين الفريق الحكومي الموالي لإدارة بوش وفريق المعارضة المناهض ل”إسرائيل” والمتحالف مع سوريا وإيران. والعراق يمر في مرحلة الانتقال من عهد الاحتلال الأمريكي وحكومة نوري المالكي إلى عهد آخر لم تتضح بعد قسمات وجهه المغاير.


 


دول أخرى في المنطقة وخارجها تمرّ في المرحلة الانتقالية عينها أو تعاني من متطلباتها وتداعياتها. الأردن، مثلا، يتحسب للمخاطر التي قد تنجم عن انتخاب السيناتور جون ماكين للرئاسة الأمريكية. فالمرشح الجمهوري أشار في أحد تصريحاته إلى ان الأردن هو “الوطن الطبيعي” للفلسطينيين، متبنياً بذلك مواقف غلاة المتطرفين الصهاينة الذين ينادون بنظرية “الترانسفير”، أي إقامة الدولة الفلسطينية في الأردن كوطن بديل من فلسطين.


 


مصر تتحسب لمخاطر عودة بنيامين نتنياهو وحلفائه من المتطرفين اليمينيين إلى السلطة بعد إزاحة أولمرت. فزعيم حزب ليكود شديد العداء لحركة “حماس”، وملتزم متابعة عمليات الاستيطان في كل أنحاء الضفة الغربية، وبالتالي غير ملتزم ب “خريطة الطريق” المؤدية، نظرياً، إلى إقامة دولة فلسطينية بجوار “إسرائيل”. كل ذلك قد ينسف أسس التهدئة التي عملت مصر من أجلها كثيراً وبوشر في تنفيذها أخيراً.


 


سوريا تتحسب هي الأخرى لمخاطر افول عهد أولمرت وحزب “كاديما”، ذلك أن “بطل” حرب “إسرائيل” الثانية على لبنان هو نفسه “بطل” معاودة التفاوض مع سوريا بعد سنوات طويلة من انقطاعها. صحيح ان دمشق لا تعوّل كثيراً على هذه المفاوضات غير المباشرة التي ترعاها تركيا، لكنها تعتبرها متنفساً سياسياً في هذه الآونة يكسر طوق العزلة التي حاولت واشنطن، منذ اغتيال رفيق الحريري، فرضه بقوةٍ عليها وإن دونما جدوى.


 


في المقابل، تتأثر قوى المقاومة، دونما شك، بتداعيات المرحلة الانتقالية المتطورة. ذلك أن النائبة عن حزب ليكود ليمور ليفانت حذّرت، بعد اطلاعها على تقرير رئيس دائرة الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية “آمان” العميد يوسي بيداتس، من “فشل تام لقرار مجلس الأمن 1701 الذي أفضى إلى انتهاء الحرب الثانية على لبنان وتتباهى الحكومة به كثيراً”. لماذا هذا التحذير الصارخ من ليفانت؟ لأن العميد بيداتس قال في تقريره للجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست إن حزب الله “بنى تحت أنف قوات “اليونفيل” منشآت تحت الأرض وأدخل آلاف الناشطين والصواريخ”. هذا مع العلم ان حزب الله يقوم، عبر وسيط ألماني يعمل كمستشار لدى أمين عام الأمم المتحدة، بإجراء اتصالات مع “إسرائيل” من اجل تبادل الأسرى بين الطرفين. ويُخشى ان تكون لتقرير بيداتس وتحذير ليفانت تداعيات سياسية داخلية قد تؤدي إلى تفشيل عمليتي تبادل الأسرى بين “إسرائيل” وكل من حزب الله في لبنان وحركة “حماس” في قطاع غزة. ذلك ان أوساطاً استخبارية “إسرائيلية” تتهم “حماس” بأنها تستغل أجواء التهدئة وفتح المعابر من اجل تهريب المزيد من الخبرات البشرية والمواد الحربية إلى داخل القطاع.


 


غير أن ما يبعث على الدهشة والشعور بالخطر في آن واحد ما نسبته صحيفة “هآرتس” المستقلة إلى ناظر القرار الدولي 1559 تيري رودلارسن من انتقادات شديدة ل”إسرائيل” بسبب موافقتها على استئناف المفاوضات مع سوريا. فقد كشفت “هآرتس” ان برقية سرية أرسلتها البعثة “الإسرائيلية” في الأمم المتحدة إلى وزارة الخارجية في تل أبيب نقلت عن لارسن قوله إن سوريا بفضل المفاوضات “تحصل على شرعية دولية مجاناً… وان أوروبا تغازل سوريا بسبب المفاوضات، ولم يعد السوريون مطالبين بإعطاء شيء مقابل ذلك، وان “إسرائيل” منحت سوريا هدية كبيرة من دون الحصول على أي مقابل حتى الآن”.


 


ماذا يبغي لارسن من وراء هذه الانتقادات؟


إذا كان يعتقد ان “إسرائيل” تكسب أكثر بعدم مفاوضة سوريا والاستمرار في الضغط عليها، فإن “إسرائيل” تدرك بالتأكيد مصلحتها أفضل بكثير من السيد لارسن. واذا كان لارسن يعتقد ان قيام “إسرائيل” بمفاوضة سوريا، حليفة حزب الله، من شأنه تشجيع هذا الأخير على عدم حل نفسه أو تسليم أسلحته للحكومة اللبنانية، فإن “إسرائيل” أدرى بمصلحتها من لارسن بدليل انها تجري اتصالات مع حزب الله بغية تبادل الأسرى معه. إن المرء ليتساءل: هل يجوز لمسؤول في الأمم المتحدة ومعاونٍ لأمينها العام ان يكون ملكياً أكثر من الملك، أي ان يكون صهيونياً أكثر من المسؤولين “الإسرائيليين” أنفسهم؟ أيّ صدقية تبقى للأمم المتحدة عندما يتصرف أحد كبار مسؤوليها على هذا النحو الصارخ من الانحياز والانحراف؟


 


إلى ذلك، لا يغيب عن أذهان أهل الممانعة والمقاومة في فلسطين ولبنان والعراق أن التهدئة التي تتطلبها المرحلة الانتقالية هي فرصة سوف يستثمرها المسؤولون الأمريكيون و”الإسرائيليون” لمراجعة سياساتهم وتدقيق مساراتها التنفيذية وسدّ ثغراتها لمعاودة الهجوم مرة أخرى وبشدة مضاعفة ضد من تعتبرهم أمريكا و”إسرائيل” أهدافاً معادية. لذلك من الطبيعي والمنطقي ان يمارس أهل الممانعة والمقاومة سلوكية مماثلة في المراجعة والتدقيق وسدّ الثغرات والتعبئة والحشد وتوفير أسباب القتال وبالتالي معاودة الهجوم في المواقع المناسبة بقوة وشجاعة وحذق.


 


الصراع طويل ومرير. وفي غمرته يدرك أهل الممانعة والمقاومة ان الفشل ممنوع وان النصر مهنتهم المختارة بعناية.

مقالات ذات صلة