عين على العدو

كيف سيحول العدو صحراء النقب إلى مدينة سيبرانيّة؟

المجد – وكالات

(نُشر هذا التقرير في صحيفة “واشنطن بوست” يوم 14 أيّار/مايو 2016).

هُنا، في قلب صحراء النقب، تبزغُ مدينة سيبرانيّة جديدة لتعزيز مكانة العدو الصهيوني كقوّة رقميّة. سيُجمّع المشروع الجديد، والذي يبرز من خلال واجهات الزجاج وأعمدة الصلب، بعضا من أكثر الصهاينة موهبة من الجيش والأكاديميا وقطاع الأعمال في منطقة لا تتجاوز مساحتها بضعة كيلو متراتٍ مُربّعة.

قد يفتقر العدو الصهيوني للموارد الطبيعيّة، لكن عندما يتعلّق الأمر بالاستثمار الخاص في شركات الأمن السيبراني، فإنّها تحلّ في المركز الثاني بعد الولايات المتحدة الأمريكيّة، إذ تتدفّق على هذا القطاع سنويا استثماراتٌ بقيمة نصف مليار دولار.

لم يتعهد العدو الصهيوني بصدّ الآلاف من الهجمات اليوميّة ضد أهداف متنوّعة تتراوح بين شبكات الكهرباء وماكنات الصراف الآلي، بل إنّها تعد نفسها أيضا ببناء قطاع أمن سيبراني تجاري يتحوّل إلى قوّة اقتصاديّة.

يعتبر العدو الصهيوني في طليعة الكيانات المُتخصّصة في الحرب الرقمية، حيث تطوّر أسلحة إلكترونيّة سريّة لاختراق شبكات أعدائها. وقد عملت جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة على تطوير أكثر الأسلحة السيبرانيّة فتكا حتّى الآن والمعروف باسم “Stuxnet”، وهو الفيروس الذي أُفلت من عقاله ليستهدف مفاعل “نانتاز” لتخصيب اليورانيوم في إيران.

بالرغم من ذلك، فالبلدان يختلفان في جانبٍ جوهري، ويتبدّى ذلك في قدرة العدو الصهيوني الواضحة، بسبب حجمها وتاريخها وجغرافيّتها، على تنظيم نفسها لهزيمة التهديدات الإلكترونيّة. فالقطاعات المُختلفة من المجتمع، والتي لا تتمتّع مثيلاتها في الولايات المُتحدة بنفس تقاليد التعاون، تبدو في إسرائيل أكثر استعدادا للعمل معا بشكل وثيق تحت سلطة مركزيّة واحدة.

“لن تجد نفس الشيء في أمريكا”، يقول إفياتار ماتانيا، رئيس هيئة السايبر الوطنيّة. ويضيف: “أولا، نحن لدينا أعداء أكثر من الآخرين، ونفهم التهديد الإلكتروني في الحال. وثانيا فالكثير من الابتكارات الصهيونية هي في مجال الأمن الرقمي، وهو المجال الذي نستطيع أن نتميّز فيه عن الدول الأخرى حين يتعلّق الأمر بالدفاع عن أنفسنا. ولذلك نحن لا نرى المجال الرقمي كتهديد فحسب، بل واحدا من المحرّكات الاقتصاديّة لإسرائيل”.

سيستضيف المشروع الجديد في صحراء النقب فريق الاستجابة لحالات الطواريء السيبرانيّة، وهو الفريق الذي أُسس عام 2014 تحت مظلّة سلطة الأمن السيبراني وكلّف بحماية الأنظمة الخاصة بشركات القطاع الخاص. وبالقرب منه، إلى جانب منتزه التكنولوجيا المتقدّمة الذي يستضيف حاليا شركات عالميّة مثل “PayPal” و” Lockheed Martin” و” Deutsche Telekom”، تقوم الجرّافات بتجهيز المكان لإنشاء ما سيصبح مقرّ قيادة الأمن السيبراني التابعة للجيش الصهيوني.

في النهاية، سوف يستضيف المكان أيضا مقرّ الوحدة السريّة رقم 8200 المتخصّصة في التجسّس الإلكتروني. وفي العام المقبل، ستندمج الوحدة 8200 مع وحدة الأمن السيبراني في الجيش ليعملا معا تحت مظلّة سلطة الأمن السيبراني.

سينضم جهاز “الشين بيت” أحد الوكالات الاستخباريّة الصهيونية والذي يعدّ لاعبا مهما في مجال الأمن السيبراني لأكثر من عقد إلى نفس المجمّع. وباكتمال المشروع، ستكون جامعة “بن غوريون” في النقب جزءا من هذه الشبكة، وستعمل بشكلٍ وثيق مع فريق الاستجابة لحالات الطواريء السيبرانيّة.

يقول نداف زافرير، المسئول السابقة للوحدة 8200: “الذي ستحصل عليه من كلّ هذا هو القدرات البحثيّة التي ستجلبها الأكاديميا ومعرفة العالم الحقيقي الذي ستجلبها شركات التقنية والخبرات العمليّة التي سيجلبها الجيش والقدرات الرياديّة التي ستجلبها مشروعات الـ Start-Up”. ويضيف: “عندما تجمع كلّ هذا ستُشعل السحر”.

لن يستطيع العدو الصهيوني في يومٍ من الأيّام اكتساب شبكة تجسّس سيبراني بحجم تلك التي لدى الولايات المُتحدة. لكنّها بالرغم من ذلك تُريد أن تكون مرهوبة الجانب في المنطقة، ومهاراتها في اختراق الحواسيب وعمليّات التجسّس متطوّرة ومبتكرة.

يقول غابي سيبوني مدير برنامج الأمن السيبراني في معهد دراسات الأمن القومي بتل أبيب: “تمتلك الولايات المُتحدة قدرات أكبر في الفضاء السيبراني. لكنّنا بلدٌ صغير، وهذا هو الفارق بين الزورق السريع وحاملة الطائرات .. إنّنا نتحرّك بسرعة شديدة”.

تُعتبر مسألة الأمن أمرا مركزيّا لبقاء الكيان بحيث يتحتّم على كلّ مواطن ومواطنة صهيونية إنهاء فترة الخدمة العسكريّة بعد التخرّج من الثانويّة العامّة. وتقوم وحدات الجيش المُتخصّصة في الأمن السيبراني باكتشاف النوابغ في علوم الحاسوب والرياضيّات عندما لا يكونوا قد تجاوزوا الرابعة عشرة من عمرهم.

يقول نداف زافرير: “إذا سألتني عن السر في نظام التقنيّة العالية الصهيوني فسأُجيبك بأنّه يتمثّل في القدرة على اكتشاف الطلبة المميزين وهم في المرحلة الثانوية”.

تعود جذور العدو الصهيوني كقوّة سيبرانيّة إلى حرب “يوم الغفران” في العام 1973 كما يُشير الجنرال المُتقاعد يائير كوهين أحد المسئولين السابقين للوحدة 8200 التي تلعب دورا شبيها بدور وكالة الأمن القومي في الولايات المُتّحدة.

لقد خسر الكيان في تلك الحرب أكثر من 2000 جندي في أقلّ من ثلاثة أسابيع بسبب الفشل الاستخباري. ونتيجة لذلك، قرّر الجيش الصهيوني تقويّة إشارة سلاحه الاستخباري المتمثّل في الوحدة 8200. فسعت الوحدة منذ ذلك الوقت لتجنيد أفضل المُبرمجين والمُخترِقين، وبدأت بتطبيق أبحاثها التطويريّة بنفسها، حيث دأب جنودها على تصميم وبناء أجهزة اعتراض لاسلكيّة وأدواتٍ سيبرانيّة جديدة. وكما يُشدّد الجنرال كوهين: “لا نستطيع انتظار أحدهم في الولايات المُتّحدة ليمدّنا بالتكنولوجيا”.

اليوم، يعمل الجيش الصهيوني بشكلٍ وثيق مع هيئة السايبر الوطنيّة ويسعى علاوة على ذلك لوضع إطار تنظيمي ليُصبح القوّة الرئيسيّة في حماية الكيان في مواجهة الهجمات الإلكترونيّة وليأخذ على عاتقه اتّخاذ الإجراءات المطلوبة ضدّ الأطراف المُعادية.

يأمل الجيش الصهيوني في بناء قيادة عمليّات سيبرانيّة بحلول النصف الثاني من العام القادم، وهي الخطوة التي أنجزتها الولايات المتحدة قبل سبعة أعوام لدمج مهمّات الهجوم والدفاع الإلكتروني تحت قيادة واحدة. يُشبّه الجنرال داني برين الذي يرأس القسم المسئول عن حماية شبكات الجيش الصهيوني هذه العمليّة بلعبة الملاكمة: “لا يجب على الملاكمين الاكتفاء بتوجيه اللكمات أو حماية وجوههم فقط، بل يجب عليهم القيام بالأمرين معا في وقتٍ واحد”.

أصبحت القدرات الصهيونية في الهجوم السيبراني تحت الضوء بعد العمليّة المُشتركة مع الولايات المتحدة تحت اسم “الألعاب الأولمبيّة” والتي استهدفت تعطيل البرنامج الإيرانيّ لتخصيب اليورانيوم. ويُعتقد أن هذه العمليّة، التي استطاع باحثون من القطاع الخاص من اكتشافها في حزيران/يونيو 2010، قد أسفرت عن خروج 1000 جهاز طردٍ مركزي في موقع “نانتاز” الإيراني عن السيطرة. ومع أنّ أيّا من الطرفين لم يعترف بمسئوليّته، إلا أنّ العمليّة أظهرت للعالم إمكانيّات الأسلحة السيبرانيّة ودفعت بالكثير من البلدان، وعلى رأسها إيران، لتأسيس قيادة عمليّات سيبرانيّة.

لكن رغبة العدو في الهجوم خلقت في بعض الأحيان خلافاتٍ حتى مع أقرب حُلفائها. ففي العام 2012، استطاعت إيران اكتشاف سلسلة من الهجمات السيبرانيّة التي استهدفت سرقة معلومات من أنظمة الحاسوب التابعة لصناعتها النفطية. وبعد التحرّي عن البرمجيات الخبيثة المُستخدمة في الهجوم، اكتشف باحثون أنّ الأداة التجسسيّة كانت قد صُممت قبل عدّة سنواتٍ بشكلٍ مُشترك مع الولايات المتحدة. أبدت وكالة الأمن القومي الأمريكيّة امتعاضها من الأمر لأنّه كشف أحد أدواتها التجسسيّة المُسمّاة بـ “الشعلة”. لكن الحادثة، كما يذكر أحد مسئولي الاستخبارات الأمريكيّة كانت أسوأ بالنسبة للعدو لأنّها كشفت أداتها التجسسيّة الأساسيّة.

يقول ستيفن سليك المدير السابق لمحطّة الـ CIA في تل أبيب: “في أي وقت يوافق فيه بلدان على التعامل مع مشروعات مُعقدة ومترابطة، فإنّ سوء الفهم والخلاف هما أمران حتميّان. بالرغم من ذلك، فالثقة والاحترام المشتركين القائمين بين مجتمعي الاستخبارات في الكيان والولايات المتحدة يجعلان الطرفين أكثر إدراكا لفوائد التعاون الوثيق في أنشطة الأمن السيبراني”.

في الطابق الثاني والعشرين من مقرّ شركة الكهرباء الصهيونية، المرفق الرئيسيّ للكهرباء في البلاد، تعرض شاشة ضخمة على الجدار المحاولات المُتكرّرة والشديدة لاختراق شبكة الشركة المملوكة للحكومة. تُعدّ شركة الكهرباء الصهيونية، والتي تقعُ في يافا على البحر المتوسّط، على بُعد ساعتين إلى الشمال من بئر السبع، واحدة من أكثر الكيانات استهدافا في الكيان.

يقول يوسي شنيك، نائب رئيس قسم المعلومات والاتّصالات في شركة الكهرباء الصهيونية، أنّ هجوما واحدا ناجحا سيتسبّب بتعطيل إمدادات الطاقة عن العدو بأكملها. حتى الآن لم ينجح أي هجوم. ويعتمدُ مهندسو الشركة على المساعدة من جهاز “الشين بيت”. إلى جانب إحباط الهجمات الماديّة، فإنّ “الشين بيت” مسئولٌ أيضا عن حماية عدد من الكيانات الهامة جدا من الهجمات السيبرانيّة مثل "بنك إسرائيل"، مصافي النفط، وبنك الدم. يُعادل “الشين بيت” مكتب التحقيقات الفدرالي الذي ينظم عمل الكيانات الرئسيّة التجاريّة أو الخاصّة في الولايات المتحدة في حقل الأمن السيبراني، والذي لم يستطع الحصول على الدعم الكامل من قبل “الكونغرس” بسبب المسائل المتعلّقة بالخصوصية.

لكن الخوف من هجمة رئيسيّة يعدّ في إسرائيل أكبر من القلق بشأن الخصوصيّة كما يقول رامي إفراتي، المسئول السابق لهيئة السايبر الوطنيّة والمؤسّس لشركة “Firmitas” المُتخصّصة بمجال الحماية السيبرانيّة.

لا يراقب “الشين بيت” شبكات الشركات. إنّه يشتم التهديدات قبل أن تصل إليها. كما أنّه يعتمد على أجهزة الاستشعار التي تُثبّتها هذه الشركات في أنظمتها لجمع المعلومات قبل تحويلها مُجددا على شكل “تغذية راجعة” لـ “الشين بيت”. وفي المقابل، يقوم الموساد والوحدة 8200 بمشاركة المعلومات التي تتوفّر بحوزتهما إزاء أيّ تهديدات إلكترونيّة مع “الشين بيت”. يجري الأمر في الكيان على النقيض مما يجري في الولايات المتحدة، حيث استغرق الأمر هناك عدّة سنوات قبل إصدار قانون يُشجّع الشركات –بدون إكراه- على مشاركة المعلومات الإلكترونيّة مع الحكومة.

يتوقّع يارون وولفسثال الذي يرأس مختبر أبحاث شركة “IBM” في جامعة “بن غوريون” المزيد من عمليّات التلاقح في الصحراء بينما ينتظر وصول وحدات الجيش الصهيوني السيبرانيّة. يقول وولفسثال: “بإمكاننا العمل مع الجنود حتّى قبل انتهائهم من الخدمة”، ويضيف: “إنّ المهندسين التقنيين سيتجهون يوميّا إلى قواعدهم، وعلى الطريق، سيرون لافتات لجميع الشركات هنا. وهذا سيجعلهم يفكّرون في خيار العمل بهذه الشركات لاحقًا”.

أما وحدات الجيش السيبرانيّة، فقد عملت على خلق مناخٍ يُعزّز الابتكار ويُشجع الناس على البقاء حتى بعد انتهاء فترة خدمتهم العسكرية التي تبلغ مدتها ثلاث سنوات للرجال وسنتين للنساء.

يصف تومير تواتي، النقيب الذي عمل لمدّة سنوات في الجيش والذي يعمل الآن في شركة متخصّصة في الحماية السيبرانيّة، الوحدة 8200 بـ “الشركة الناشئة”. يقول تواتي: “لديك هناك فريق بحثٍ وتطوير خاصٍ بك. بإمكانك رفع سماعة الهاتف والاتصال بفريق بحث وتطوير آخر أو حتّى إرسال إيميل تقول فيه: أنظر، أعتقد أنك لو فعلت هذا وهذا، فبإمكاننا العمل بشكل أسرع وأفضل”.

يعمل العدو الصهيوني في نفس الوقت على تأهيل الجيل القادم من المحاربين لتعمير البنية التحتيّة السيبرانيّة التي تبنيها.

في مدرسة “أوهيل شيم” الثانوية في مدينة “رامات غان” إلى الشرق من تل أبيب، يجلس المجندون الذي يرتدون الزي الرسمي في صفوف الرياضيات لطلاب السنة الثانية لاستكشاف الطلبة المرشحين للعمل في الوحدات التي تحمي شبكات الجيش.

يقوم ضباط الجيش المُتخصّصون في المجال السيبراني بإرشاد الطلبة في أربع مدارس ثانويّة صهيونية لديها دوراتٌ متقدّمة في الرياضيات وعلوم الحاسوب، حيث تبلغ المدّة الدراسيّة لهذه الدورات عامين وتضم أكثر من 800 طالب.

تقول يارين زئيفي، البالغة من العمر 18 عامًا: “حلمي من الصغر هو العمل في مجال الكمبيوتر والإنترنت. هذا ما يمكنني تقديمه لدولتي كمواطنة وجندية”.

ولجذب الطلاب للاشتراك بالوحدات السيبرانية؛ يقوم الجيش بتنظيم رحلات لهم لقاعدة التدريب الخاصة به قرب تل أبيب، ليُعاينوا العمل هناك عن قرب. في واحدة من الرحلات التي أجريت مُؤخّرا تم إقامة مسابقة طُلب فيها من الطلاب تطوير تطبيق “أندرويد” يسمح للهاتف الذكي بالتقاط صورة لشخص ما ثمّ استخدام برنامج التعرّف على الوجه للبحث عن تطابق المعلومات في قواعد البيانات.

يقول النقيب روتم باشي، القائد في وحدة الدفاع السيبراني: “نحن نبحث عن الموهبة لأنّ الحرب القادمة ستكون في الفضاء السيبراني”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى