الأمن عبر التاريخ

هل يقتصر الأمن والأمان على فئة معينة؟

المجد-

لقد كان الأمن بمفهومه الشامل هو أول أهداف الدولة الإسلامية منذ قيامها، ولم يقتصر على المسلمين فحسب بل إن غير المسلمين، كان لهم نصيبهم من الأمن على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم،  وقد بدا ذلك ظاهراً في الصحيفة التي كانت أول وثيقة تنظم أمور المجتمع المسلم وعلاقات أفراده من المسلمين بغيرهم من أهل الكتاب.

 ومن أهم مبادئ تلك الصحيفة أو الوثيقة، أن ذمة الله واحدة، يجير على المسلمين أدناهم، والمسلمون بعضهم موالي بعض من دون الناس، وأن من تبع المؤمنين من يهود، فإن لهم النصرة والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم.

كان هذا هو أمن المدينة عند قيام الدولة الإسلامية فيها، وقد أمن المسلمون على دينهم، وعلى أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وكان ذلك الأمن متاحاً لغيرهم من أهل الكتاب، على دينهم ودنياهم أيضاً، ما داموا مسالمين، وكانت أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، مصونة بذمة الإسلام، حتى ظهر الإثم والغدر بالعهود منهم، وهددوا أمن المسلمين في المدينة بمعاونة العدو، ونشروا الأكاذيب عن المسلمين، ولم يكن بد من حفظ أمن المجتمع المسلم بطردهم، وإنفاذ حكم الله فيهم، طائفة بعد أخرى.

 ونجد مثالاً نادراً في السنة المطهرة لقيمة الأمن في الإسلام؛ فقد أقام الرسول صلى الله عليه وسلم الدولة الإسلامية الأولى في المدينة، ولم تسلم هذه الدولة الناشئة من مكائد المشركين واليهود، وقد دارت المعارك سجالاً بين دولة الحق وشراذم الباطل وأعوانهم، وكتب الله النصر للمسلمين في هذه المعارك، وظل السلم بين دولة الإسلام الأولى، وبين مشركي مكة، محكوماً بهدنة الحديبية التي عقدها الرسول صلى الله عليه وسلم مع المشركين في مكة، حتى نقضوا عهدها وانتهكوا شروطها بإعانتهم حلفاءهم على حلفاء النبي  من بني خزاعة، فاستنصر بنو خزاعة رسول االله  فنصرهم وفاءً بالعهد.

وقبل أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة جاءه نفر من وجهاء قريش فأعلنوا إسلامهم، وكان منهم بعض أعداء الإسلام، كأبي سفيان بن حرب، وعبد الله بن أمية، ولما أسلموا كانت لهم مواقف ومشاهد تكفِر عنهم ماضيهم في الجاهلية، وعند فتح مكة على أيدي من آذتهم قريش ومشركوها أشد الأذى، قال سعد بن عبادة  حامل راية الأنصار في جيش المسلمين: " اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة  (فقال الرسول (  كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة) وأخذ الراية منه ودفعها إلى ابنه قيس، وقيل: دفعها إلى الزبير بن العوام ودخل الرسول مكة خاشعاً شاكرا الله، ولم ترق دماء كثيرة في فتح مكة.

 فقد أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم الأمان لأهل مكة: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن) وهكذا كان الأمان شاملاً لمن لم يقاتل أو لزم داره، أو دخل دار أبي سفيان، أو البيت الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً.

وهكذا كان الأمان للجميع، وكان الأمن الشامل للناس في عهد النبوة، سواء في دولة الإسلام في المدينة، أم في مكة التي دخل أهلها بعد الفتح في دين الله أفواجا، وأصبحت أقدس مدينة في تاريخ الإسلام، والحرم الأول للمسلمين الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى