عين على العدو

زيارة ساركوزي إلى تل أبيب بمقاييس “إسرائيلية”

 


الخليج


قبل أسبوع من تسلمه رئاسة الاتحاد الأوروبي، يحل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي اليوم في “اسرائيل” والأراضي الفلسطينية المحتلة،  في إطار زيارة رسمية هي الأولى لرئيس فرنسي منذ 12 سنة، حينما قام سلفه جاك شيراك برحلة مماثلة في سنة ،1996 أثارت قدرا كبيرا من التوتر والخلافات، وانعكست سلبا على علاقات باريس وتل أبيب لمدة عشر سنوات .


 


تختلف زيارة ساركوزي اليوم إلى “اسرائيل” كثيرا عن الزيارتين الوحيدتين اللتين قام بهما رئيسان فرنسيان سابقان، نظرا للعلاقات الخاصة التي تربطه بالدولة العبرية،  التي وصفها قبل أشهر بأنها “معجزة القرن العشرين”، ويتسم هذا الرباط بأنه يتجاوز حدود العلاقات المرسومة بين الدول، إلى جوانب شخصية لها صلة بجذوره اليهودية، ولهذا السبب ذهب به تعاطفه الخاص حد الإعلان مؤخرا، عن انه لن يمد يده لمصافحة شخص لا يعترف ب”إسرائيل”، وهو يقصد بذلك الرئيس الايراني احمدي نجاد الذي درج على اصدار تصريحات يدعو فيها إلى تدمير “اسرائيل” .



وتبتعد ظروف وحيثيات هذه الزيارة التي تسجل في سياق التحول في العلاقات الفرنسية  “الاسرائيلية”، عن تلك التي أحاطت بزيارة كل من فرانسوا ميتران وجاك شيراك . تمت الأولى في آذار /مارس سنة ،1982 وكان الظن السائد حينذاك هو أن ميتران آت لكي يعلن عن ولاء فرنسا ل”اسرائيل”، كونه من المعروفين بصداقته وتأييده لها وتعاطفه الخاص كاشتراكي، على طريق ليون بلوم، مع الحركة الصهيونية، ولكنه فاجأ العالم حين ألقى خطابا تاريخيا، في الكنيست “الاسرائيلي”، دعا فيه إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة في حدود سنة 1967 إلى جانب “اسرائيل”، وقد شكل ذلك نقلة مهمة في الموقف الدولي تجاه حقوق الشعب الفلسطيني، الأمر الذي أثار انزعاج رئيس الوزراء “الاسرائيلي” في حينه مناحيم بيغن، وخلق شرخا مع ميتران استمر حتى نهاية رئاسته الثانية في أيار/مايو سنة 1995 .


 


وقد تراوحت العلاقات طيلة هذه الفترة بين هبة ساخنة وأخرى باردة، ولم ينس “الاسرائيليون” لميتران دعوة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات للمرة الأولى إلى باريس، واستقباله في قصر “الاليزيه” سنة ،1989 وقد شجع ذلك على التقدم في طريق العملية السلمية، وفتح بابا واسعا أمام العلاقات الفرنسية  الفلسطينية، والأوروبية  الفلسطينية . والزيارة الفرنسية الثانية إلى “اسرائيل” كانت تلك التي قام بها الرئيس السابق جاك شيراك في 22 تشرين الأول/اكتوبر سنة ،1996 والتي جاءت بعد أقل من عام على توليه الرئاسة، ورغم ان شيراك ذهب وفي اعتقاده انه سوف يقوم بإضافة نوعية لعملية اوسلو الحديثة العهد بسبب قربه من “الاسرائيليين” والفلسطينيين، فإنه اصطدم برد فعل “اسرائيلي” معارض لكل تدخل خارجي، وقد اثارت الزيارة اصداء اعلامية واسعة، لأن شيراك لم يلتزم بالتعليمات “الاسرائيلية”، وأصر على زيارة “بيت الشرق” في القدس الذي كان يرمز الى سيادة فلسطينية على هذا الجزء من المدينة، وقد حاولت الأجهزة الأمنية “الاسرائيلية” عرقلته، وأدى ذلك الى رد فعل معاكس في الشارع الفلسطيني، الذي استقبل الرئيس الفرنسي بحفاوة بالغة . وانتهت هذه الزيارة مثلما آلت إليه زيارة ميتران على المدى البعيد، حيث استمر الفتور بين شيراك و”اسرائيل” حتى نهاية ولايته الثانية في مايو ،2007 وفي المقابل بقيت العلاقة دافئة مع الجانب الفلسطيني الذي بقي يلجأ إلى فرنسا لحماية نفسه من “اسرائيل”، ولموازنة العلاقات مع الولايات المتحدة، فشيراك هو الدكتور، كما وصفه عرفات، الذي بقي يتدخل،  من دون جدوى، طيلة عدة سنوات لإنقاذ عملية أوسلو، التي كانت كل المؤشرات تدل على انها ذاهبة للدخول في غيبوبة، لا تقل عمقاً عن غيبوبة رئيس الوزراء “الاسرائيلي” السابق ارييل شارون .


 


لدى استعراض نتائج هاتين الزيارتين، يمكن الوقوف عند حقيقتين مهمتين، تتمثل الأولى في انه كلما حصل تقدم في العلاقات الفرنسية الفلسطينية،  اعتبرت “اسرائيل” ان ذلك يتم على حسابها، ويتغذى من رصيدها التاريخي في فرنسا، وقد كان هدف الدولة العبرية على الدوام هو الحيلولة،  دون ترجمة فرنسا موقفها المتوازن في هذا النزاع، وإبقاء الكفة مائلة لصالحها . والحقيقة الثانية هي ان “اسرائيل” كانت تنتظر من زيارتي ميتران وشيراك التفاتات ومواقف سياسية مختلفة، كانت تريد في المرتين من رئيس فرنسا أن يقدم البعد العاطفي على السياسي، وأن يراها بالعين التي تنظر فيها إلى نفسها من زاوية الضحية .


 


ورغم ان شيراك اعترف بمسؤولية فرنسا عن جرائم حكومة “فيجي” بحق اليهود في الحرب العالمية الثانية، فإنه أبقى العلاقات عند الحدود السياسية، ورفض منح “اسرائيل” معاملة خاصة . والخلاصة هي انه على الرغم من العلاقات المتميزة على كافة الصعد، فإن “اسرائيل” كانت تطالب بأكثر، ليس فقط تسديد فواتير تاريخية، بل أن تضبط فرنسا علاقاتها الفلسطينية والعربية على إيقاع “اسرائيل”، الأمر الذي أبقى العلاقات على قدر كبير من التوتر، وهو ما سيزول مع الصفحة الجديدة، التي فتحها وصول ساركوزي إلى “الاليزيه” .


 


منذ أن جرى الاعلان عن زيارة ساركوزي قبل اكثر من شهر، قيل انها ستكون مكرسة لتهنئة “اسرائيل” في احتفالات الذكرى الستين لقيامها، وذلك اقتداء بما قام به نظيره الامريكي جورج بوش، وبالاضافة إلى ذلك ستتناول جملة من المواضيع السياسية كقمة “الاتحاد من اجل المتوسط”، ومفاوضات السلام بين “اسرائيل” والسلطة الفلسطينية، والرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي، وتأتي في الصدارة، قضية منح “اسرائيل” وضعية شراكة خاصة مع الاتحاد الأوروبي . وتبين من خلال مجريات التحضير للزيارة ان الطرف الفرنسي يعمل على انجاحها، وكسب رضا الطرفين، وخصوصا الجانب الفلسطيني، لأن الطرف “الاسرائيلي” ليس لديه أي مجال لكي يشكك في نوايا الرجل، الذي لا يوفر مناسبة للإعراب عن تأييده للدولة العبرية .


 


كان “الاسرائيليون” ينتظرون أن يقوم الرئيس الفرنسي بزيارته هذه في وقت أبكر من ذلك، نظرا لما أبداه تجاه “اسرائيل” من مبادرات ودية، بدأت خلال حملته الانتخابية، وتواصلت على نحو معبر بعد وصوله للرئاسة،  وكان أكثرها بلاغة تكريس معرض الكتاب الفرنسي للاحتفال بالذكرى الستين لتأسيس “اسرائيل” . ولم تمر جملة مبادرات ساركوزي من دون رد “اسرائيلي”، حتى لو كان رمزيا، كما هو اصدار طابع بريدي باسمه في شهر شباط/فبراير سنة 2007 . وفي الحقيقة إن عدم إدراج “اسرائيل” على برنامج زيارات الرئيس الفرنسي الخارجية حتى الآن أمر مقصود، فهو ابتعد قدر الإمكان عن الوقوع في فخ تصريف العواطف المباشرة، وقام بدراسة المسألة من جانبها السياسي، لجهة جدواها في ظل المعطيات التي تحف بالمنطقة . وليس مصادفة انه تعمد زيارة مجموعة البلدان العربية ذات الثقل السياسي والاقتصادي (مصر، السعودية، الامارات، قطر، الجزائر، المغرب، تونس، لبنان والاردن)، قبل ان يذهب في نهاية المطاف إلى “اسرائيل”، ويأتي في هذا السياق إلحاحه على دعوة الرئيس السوري بشار الأسد لحضور قمة “الاتحاد من اجل المتوسط”، واحتفالات العيد الوطني الفرنسي، فهو يريد أن يلعب دورا مباشرا على صعيد دفع عملية السلام في الشرق الأوسط، ولهذا قرر عقد مؤتمر دولي للمانحين في نهاية العام الماضي، تحت بند “دعم اقتصاد الدولة الفلسطينية” . إن هدف ساركوزي المباشر من التحرك تجاه المنطقة العربية هو الظهور بمظهر الرئيس الفرنسي المتوازن، على غرار أسلافه من الرؤساء الفرنسيين السابقين، الذين ساروا على خطى الجنرال ديغول، حين قرر سنة 1967 الوقوف على مسافة واحدة من أطراف النزاع في المنطقة، إلا أن عدم ممارسة ساركوزي أي ضغط على “اسرائيل”، بل على العكس، يؤكد اليوم ان هذا التوازن هش ومختل تبعا لموازين القوى السائدة، منذ الحكم الشهير الذي اطلقه ديغول نفسه في حق الغطرسة “الاسرائيلية”،  عندما قال بعد عدوان ،1967 يصف “الاسرائيليين” “شعب متعجرف، معتز بنفسه ومهيمن” .


 


في هذا الوقت لم يقصر ساركوزي تجاه “اسرائيل”، صحيح انه لم يذهب شخصيا إلى تل أبيب، ولكن لم يبق زعيم “اسرائيلي” واحد من دائرة القرار، من دون أن يزور “الاليزيه” خلال السنة الأولى من حكمه، من رئيس الوزراء يهود اولمرت، ومن بعده الرئيس شيمون بيريز الذي قام “بزيارة دولة”، وحظي باستقبال في “الاليزيه” قل نظيره، ومن ثم ها هي وزيرة الخارجية تسيبي ليفني التي لا تكاد تغيب عن باريس حتى تعود إليها، وكذلك نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع ايهود باراك . ومن الواضح جدا ان الجو العام بين باريس وتل ابيب اختلف كلياً، وزال في صورة نهائية التقلب والاضطراب،  الذي عرفته العلاقات خلال بعض الفترات السابقة، وخصوصا في المرحلة الأولى من حكم الرئيس السابق جاك شيراك، الذي حاول أن يوقف زحف رئيس الوزراء “الاسرائيلي” السابق ارييل شارون لتدمير “اتفاق اوسلو”، قبل ان يعود ويرضخ للأمر الواقع ويستقبله في “الاليزيه” في سنة ،2005 لينهي مرحلة من الفتور . ومن مظاهر التغير توافد المسؤولين “الاسرائيليين” على باريس، في صورة لم تشهدها العلاقات منذ أوائل الستينات من القرن الماضي، ولا يعبر ذلك عن ولادة حركية جديدة من طرف تل ابيب تجاه باريس، بقدر ما يفتح الأبواب التي كانت موصدة في وجه “اسرائيل”، بسبب حسابات متعلقة بمصالح فرنسا الخاصة في العالم العربي، انطلاقا من قاعدة التوازن التي وضعها ديغول، وسار عليها الرؤساء الذين خلفوه من جورج بومبيدو حتى شيراك، مرورا بجيسكار ديستان وميتران . إن ساركوزي يحاول القول اليوم انه يقيم صداقات جيدة مع العرب و”الاسرائيليين”، ولن يرهن صداقة فرنسا لطرف مقابل الآخر، إلا ان ما يصح نظريا وفق هذه المعادلة لا يمكن له ان يصح عمليا، لأن المفتاح الوحيد للحل هو بالضغط على “اسرائيل”، ولا يكف الساسة الكبار الضالعون في الشؤون الدولية، من امثال وزير خارجية فرنسا السابق هوبير فيدرين، عن التأكيد على أن المخرج الوحيد للنزاع هو قيام المجتمع الدولي بفرض حل، ومن دون ذلك لا سبيل لاقناع “اسرائيل” بالامتثال للقرارات الدولية .


 


يذهب ساركوزي إلى “اسرائيل” والأراضي الفلسطينية، وهو يعرف انه سوف يلقى استقبالا خاصا، من المؤكد انهم سيصفقون له كثيرا في “اسرائيل”، ويحتفون به على نحو خاص، فهو أول رئيس فرنسي تجري في عروقه دماء يهودية، وربما وصل الأمر حد المبالغة، ليبدو فائضا عن اللياقة والحسابات لأن فرنسا دولة منخرطة على نحو مباشر في النزاع، عدا عن انه لن يكون من الحكمة السياسية، أن يغمض الرئيس الفرنسي عينيه عن الاستيطان وجرائم المستوطنين، وهو الذي وضع ثقله من اجل عقد مفاوضات “أنابولس” التي التزمت فيها تل ابيب بوقف الاستيطان، لكنها خرقت ذلك وعادت الحركة في الاسبوعين الاخيرين إلى اسرع مما كانت عليه في السابق .


 


وبعيدا عن كل الاعتبارات فإن ساركوزي سوف يجد امامه رئيس وزراء “اسرائيلياً” في وضع هش لا يحسد عليه، عدا عن انه هو نفسه، على الصعيدين المحلي والاوروبي، ليس في حال مريح يسمح له أن يذهب بعيدا في طموحاته، بحيث يقوم بتحقيق “خبطة سياسية”، من نمط جمع اولمرت والرئيس السوري، على انفراد، خلال قمة باريس . إن الحلم بتحقيق اختراق على هذه الجبهة امر مشروع، ولكن النوايا لا تكفي وحدها، عندما لا تكون الشروط متوافرة . ومهما يكن من أمر فإن وقع الزيارة خاص جدا لدى الدولة العبرية، فالمعنى الرمزي هنا اقوى من كافة الاعتبارات، فهي الزيارة الرئاسية الفرنسية الأولى، التي تجري بما تشتهي رياح الدولة العبرية .

مقالات ذات صلة