الأمن عبر التاريخ

المَلَكَة الأمنية..

  


نحو وعي أمني شامل للأخ الداعية العامل


 


إعداد وتقديم : محمد مفيد الخالد 


      من الأمور المهمة في حياة الداعية العامل والتي لا غنى له عنها وخاصة في هذه الأيام التي تحاك فيها المؤامرات على دعاة الإسلام كبيرهم وصغيرهم ، أن يكون لديه وعي أمني أو حس أمني يساعده على المضي قدما بدوره دون أن يستطيع الكارهون والمتربصون تعطيله أو النيل منه ومن دعوته ، والمقصود بالأمن والوعي الأمني هنا كما يقول الاستاذ فتحي يكن : ( ضمان سلامة العمل الإسلامي من كل ما يسيء إليه ويؤذيه ويعرضه للخطر ، سواء كان ذلك من فرد أو من أفراد ، أو من جهة حزبية أو رسمية . ويتبع هذا ويلحقه وضع كافة الإجراءات ـ النفسية والحسية ـ اللازمة والكافية لتحقيق هذه السلامة ، سواء بالنسبة للتنظيم أو أفراده أو ممتلكاته أو مستنداته ) ، وذلك بقدر الإمكان والإمكانيات ، وهنا نتحدث عن اتخاذ الأسباب دون تقصير أو تعطيل ، لأن الضامن والحامي في النهاية هو الله وهو المقدر للأمور ، والتجارب القديمة والحديثة علمتنا الكثير وأثبتت أن التربية الأمنية التي تمنح الحس الأمني للداعية يجب أن تكون مترافقة مع تربية الأخ الداعية مع ما يلزمها من تربية روحية وإيمانية وفكرية تساعد على اكتمال الصورة وقوة البناء . يقول الاستاذ فتحي يكن : ( ونحن حين نقول بحتمية التربية الأمنية في العمل الإسلامي وبضرورة الإعداد الأمني فإنما نستدرك أمرًا غفلناه ، ونستذكر واجبًا قصرنا طويلاً في القيام به وتحقيقه . فالعمل الإسلامي مع تناميه الفكري والتربوي ، ومع تزايد الوعي السياسي والحركي لدى أصحابه ، فإنه على الصعيدين الجهادي والأمني بالغ التقصير والتخلف ) .


 


إن استمرارية التربية الأمنية واستخلاص الدروس والعبر من السيرة النبوية العطرة والتدريب المستمر وخاصة العملي منه ، ليمنح الاخ الداعية الفرصة المناسبة ليصل الى مرحلة الملكة الأمنية ، وأعني هنا بالملكة هي قدرة الداعية على جعل الناحية الأمنية جزء من شخصيته وأن ينجح في التصرف التلقائي والطبيعي على أساس أمني دون مبالغة أو تفريط ، فالمبالغة قد تطيح بالداعية العامل كما التفريط تماما وكما قيل ( كاد المريب أن يقول خذوني ) ، وخاصة إذا كان العمل محاط بسرية تامة فإن الحاجة تكون ماسة لتلك الملكة أو هذا الحس وللوقوف على المعنى التفصيلي لما نريده من كلمة الملكة نذكر التعريفات التالية :


 


الملكة في اللغة:


مأخوذة من ملك ، وهو -كما قال ابن فارس- أصل صحيح يدل على قوة في الشيء وصحة، فيقال: ملك الشيء ملكًا: حازه وانفرد بالتصرف فيه، فهو مالك.. ويقال: أملك العجين ملكًا: قوى عجنه وشده.. ويقال: هو يملك نفسه عند شهوتها: أي يقدر على حبسها.. وهو أملك لنفسه: أي أقدر على منعها من السقوط في شهواتها .


 


والملكة في الاصطلاح:


(صفة راسخة في النفس) ، وبعبارة أخرى: (الهيئة الراسخة في النفس) حيث تحصل في النفس هيئة بسبب فعل من الأفعال، يقال لها (كيفية) أو (حالة)، فإذا كانت تلك الهيئة سريعة الزوال سميت كيفية أو حالة، أما إذا تكررت تلك الهيئة ومارستها النفس حتى رسخت فيها، وصارت متعذرة الزوال، أصبحت ملكة: كملكة الحساب، وملكة اللغة، وملكة الكتابة وغير ذلك .


 


يظهر مما سبق أن الملكة تختص بثلاث خصائص، هي:


الخاصية الأولى :


الملكة صفة في النفس ، تطلق على مقابلة العدم . وهي تعين الشخص على سرعة البديهة في فهم الموضوع وإعطاء الحكم الخاص به .


 


الخاصية الثانية :


 الملكة صفة مكتسبة وموهوبة ، تتحقق للشخص بالاكتساب والموهبة، فاكتسابها يتحقق بالإحاطة بمبادئ العلم وقواعده ، كما يرى ابن خلدون ، حيث قال: (إن الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله، وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك الفن) . في حين يرى بعضهم أنها ليست مكتسبة ، وإنما هي هبة موروثة لا تكتسب ولا تعلم، فمن وهبه الله ملكة الحفظ كان حافظًا، ومن وهبه الله ملكة التخيل كان شاعرًا ، وهي غالبا جمع بين الأمرين الهبة والاكتساب .


 


 الخاصية الثالثة:


الملكة صفة راسخة كالنبتة التي تظهر في الأرض تنمو وتتجذر بالرعاية والعناية، وكذلك الملكة تبدأ ضعيفة، ثم تتقوى وتترسخ في النفس .


من هذا المعنى المفصل نجد أنه من الضروري للأخ الداعية العامل الوصول الى مرحلة جعل الناحية الأمنية صفة راسخة في النفس وأن يزيدها رسوخا بالتعلم والتجربة والتدريب والممارسة ، ونحن من خلال هذه الحلقات سنضع بعض القواعد والتجارب والقصص التي تساعد الداعية للوصول الى الملكة الأمنية إن شاء الله .


المراجع :


1.       أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي / الأستاذ فتحي يكن


2.       تكوين الملكة الفقهية / كتاب الأمة

مقالات ذات صلة