عين على العدو

الإنجاز المصري في فلسطين

نجحت الجهود المصرية، بعد تعثرات متتالية، في التوصل إلى ترتيبات هدنة بين الاحتلال الإسرائيلي وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطاع غزة. وبغض النظر عن التحليلات والتوقعات التي ترى أنها ترتيبات هشة قد لا تصمد طويلاً، إلا أنها في غاية الأهمية لأسباب عديدة تتعلق بمختلف الأطراف.


 


أولاً، بالنسبة لمصر يعد ذلك انجازاً هاماً بعدما كثرت الكتابات داخل مصر نفسها انتقاداً لتراجع دورها الإقليمي لصالح قوى أخرى في المنطقة. كما أن قطاع غزة ليس فقط ـ بالنسبة لمصر ـ جزءاً من فلسطين المحتلة التي تحظى بمكانة أساسية في سياساتها بل هو كذلك مشكلة أمنية واستراتيجية للدولة المصرية لاعتبارات تاريخية وجيوسياسية وعسكرية. أضف إلى ذلك أن نموذج مصر في التفاوض مع الإسرائيليين ، يعد حتى الآن الأكثر رسوخاً ـ حتى رغم ما يسمى بالسلام البارد بينهما.


 


أضف إلى ذلك أن أي ترتيبات ستعطي مصر الفرصة لفتح الحدود بينها وبين قطاع غزة لتخفيف الضغط على أهل القطاع من ناحية ولتنفيس الاحتقان المصري الداخلي من جهة أخرى. فغالبية الشعب المصري غاضبة من المشاركة العربية في حصار الفلسطينيين، ورغم عدم الاهتمام الإعلامي أحياناً لم تتوقف الاحتجاجات داخل مصر على حصار الفلسطينيين إسرائيلياً ودولياً وبتواطؤ عربي. بل إن محاولات إدخال المساعدات إلى غزة من مصر لم تتوقف، وأحياناً ما سببت حرجاً للسلطات المصرية التي تضطر لمنعها لأن الإسرائيليين يصرون على إغلاق معبر رفح.


 


أما بالنسبة للإسرائيليين، فالاتفاق ورقة مساندة لرئيس الوزراء الضعيف إيهود أولمرت في مواجهة صقور حزبه مثل وزيرة خارجيته أو مناوئيه السياسيين في حزب العمل مثل إيهود باراك. وبترتيبات التهدئة تلك سلب أولمرت مناوئيه، الذين يطالبونه بالاستقالة، من ورقة المزايدة بالتدخل العسكري في غزة ـ وهي مزايدة يعرف حتى المنادون بها أنها غير واقعية، وإلا لما سحب الاحتلال قواته من غزة بالأساس من قبل. وفي سياق أوسع تعزز تلك الترتيبات، على هشاشتها، صورة أولمرت الساعي للتفاهم والتفاوض، خاصة وهو يريد تسريع المسار السوري ويسعى لفتح مسار لبناني.


 


كما أن تلك الترتيبات تساعد أولمرت في التغطية على مصدر آخر للإزعاج هو توسيع الاستيطان في القدس والضفة الغربية، إلى جانب الفشل في التوصل إلى أي تقدم في مفاوضاته مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس بشأن الاتفاق الذي يريد الأميركيون أن ينجزوه قبل رحيل إدارة الرئيس بوش من البيت الأبيض نهاية العام. وحتى على صعيد المفاوضات الثنائية بشأن المشاكل اليومية، لم ينجز الاحتلال أي شيء لتعزيز موقف الرئيس الفلسطيني من قبيل تخفيف الحواجز في الضفة ووقف هدم بيوت الفلسطينيين وتجريف أراضيهم.


 


وبالنسبة لحركة حماس، تعد الترتيبات انتصاراً ـ ليس من قبيل أنها حلت مشاكل الفلسطينيين في غزة أو أنهت الاحتلال ـ لكن من باب أن الحركة التي تسيطر على القطاع منذ عام صمدت في مواجهة الحصار الخانق والعدوان المستمر يومياً والتقتيل للأطفال والنساء إلى حد يشبه المحرقة دون أن تتخلى عن مقاومتها. وكما اعتبر حزب الله في لبنان عام 2006 رجوع “إسرائيل” عن عدوانها على لبنان انتصاراً، يمكن لحماس أن تصور مجرد قبول الإسرائيليين لترتيبات معها انتصاراً خاصة وأن الترتيبات تتضمن وقف الهجمات من غزة على “إسرائيل” مقابل تخفيف الحصار ـ أي أن هناك شيئاً بيد الفلسطينيين يتفاوضون به ويتنازلون عن بعضه مقابل تنازلات من الطرف الآخر.


 


كما أن الاتفاق يمكن أن يسهم في تعزيز فرص المصالحة الوطنية الفلسطينية، وربما أقنع السلطة الوطنية الفلسطينية بأن حماس ضمن الجسد الفلسطيني مفيدة حتى لمفاوضات السلطة مع الإسرائيليين وأن سلخ حماس وغزة إنما يضعف الموقف الفلسطيني عامة. ومن هنا قد يكون الاتفاق مكسباً أيضاً للرئيس عباس، إذ يجعله اقل عرضة لانتقادات إسرائيلية في حال قبوله بمفاوضات مصالحة داخلية مع حماس (ولو عبر مصر كما فعلت “إسرائيل”) تعيد وحدة الصف الفلسطيني.


 


وإقليمياً، أثبت الاتفاق أن التفاوض لا يمكن أن يكون وسيلة تؤدي إلى نتائج ما لم تتوفر أدوات قوة وفي هذه الحالة كان تمسك حماس بخيار المقاومة أداة القوة التي مكنت الوسيط المصري من التوصل إلى ترتيب مع الإسرائيليين. وليس معنى كل ما تقدم أن تلك الترتيبات لا يمكن أن تنهار في أي لحظة،. فالإسرائيليون معروفون بنكثهم للعهود والتراجع عن الالتزامات وليست هناك ضمانة قوية لإجبارهم على عكس ذلك، فالموقف العربي عموماً ضعيف ولا يقيم له الصهاينة وزناً.


 


وهنا درس جانبي آخر مستفاد لنجاح مصر في التوصل لذلك الاتفاق، ألا وهو أن الأمر ترك لمصر فقط ـ دون تدخلات عربية متناقضة كما يحدث في لبنان مثلاً ـ وأن من تولاه في مصر هو جهة واحدة تمثل مؤسسات الالتزام. فقد كان لتولي اللواء عمر سليمان مدير المخابرات المصرية ملف غزة أثراً أيضاً في التوصل إلى ذلك الترتيب. ف”إسرائيل” بطبيعتها مؤسسة عسكرية والأجدى في التعامل معها هم العسكريون أكثر من السياسيين والدبلوماسيين أو حتى الممولين.

مقالات ذات صلة