عين على العدو

ببساطة .. التهدئة إنجاز لحماس

كثيرة هي التحليلات والأقلام التي اجتاحت الصحف والمواقع الالكترونية وتناولت بتعمق وتمحيص اتفاق التهدئة الذي تم إبرامه مؤخرا بين حركتي حماس وبتوافق فصائلي من جهة والحكومة الصهيونية ” مجبرة ” من جهة أخرى وذلك بعد وساطة وجهود مصرية – وان كانت لمصالح تخدمها –  أثمرت هذا الاتفاق والذي يعُد انجازا ونجاحا رابعا يحُسب لحركة حماس خلال العامين المنصرمين .


 


بعض التحليلات تناولت باستفاضة وتمعن الاتفاق ومدلولاته ومدى صموده ونجاحه أو فشله ومدى التزام الطرفين ببنوده ، وتوصلت بعضها إلى  أن الاتفاق يعدُ انجازا للشعب الفلسطيني كونه سيساهم فقط في فتح المعابر و رفع الحصار الذي أضنى الصغير قبل الكبير ، كما انه سيعمل على إعادة أدنى وابسط سبل العيش كالمواد الغذائية والوقود والغاز المنزلي والقائمة تطول ، والبعض الآخر  من الكتاب هاجم وانتقد الاتفاق كونه طوق نجاة ومخرجا للحكومة الصهيونية ” اولمرت ” من ورطتها وأزمتها الداخلية وانه لم يحقق بعد أي انجاز يذكر بعد مرور  أسبوع على إبرامه .


 


لكن الحقيقة التي تجاهلها وأغفلها هؤلاء ولربما بشكل مقصود أن هذا الاتفاق وبكل المقاييس يعد نجاحا وانجازا وبدرجة امتياز  لـ ” حماس ” عجزت عن تحقيقه الحكومات السابقة التي قادتها حركة فتح وبعض الفصائل الأخرى على مدار عشرة أعوام عجاف ضاع فيها ” الأرض والعرض ” ، بالتأكيد سيسأل البعض أين هو الانجاز والمعابر مازالت مغلقة ولم يف الاحتلال بوعوده وأعاد إغلاقها بعد دفعة جديدة من الصورايخ أطلقتها الجهاد الإسلامي وأين هو النجاح ومازالت شحنات الوقود مقننة ومعبر رفح موصدا في وجه المرضى والمسافرين بل ومازال مرتبطا بالإفراج عن الأسير جلعاد شاليط .


 


بكل بساطة يمكن الإجابة على هذه التساؤلات والتي لربما تطُرح من باب التيئيس أو الجدال من اجل الجدال فقط ،بأن تجربة المفاوضات التي خاضتها حماس مع الجانب الصهيوني وبشكل غير مباشر هي التجربة الأولى لها ونجحت وبجدارة في إدارتها وأجبرت الطرف الصهيوني المفاوض والمعروف بالتعنت والصلف والمراوغة كما عهدنا على الخضوع والخنوع لشروطها ومطالبها وان لم تكن جميعها ولكن دون أن تتزحزح قيد أنملة عن موقفها المتشبث بحقوق وثوابت شعبنا بما في ذلك حق المقاومة واللاجئين والقدس وغيرها من القضايا التي ضيعها وفرط بها الآخرون دون أي مقابل .


 


سنوات عدة أضاعتها السلطة الفلسطينية وحركة فتح في مفاوضات علنية وسرية وعبثية وتآمرية دون أن تحقق أي انجاز يذكر على الأرض يحفظ ماء وجهها ويبين مدى جدية ما يسمى ” بإسرائيل ” في تحقيق السلام وبالتالي لنستمر على خطى ” هذا الطريق الناجح  ” ، لكن الحقيقة التي لربما يخجل أصحاب هذا المشروع ” الاستسلامي ” من الاعتراف والإقرار بها أن هذه الطريق لم تجلب لنا سوى المزيد من المصائب والفشل والضياع وباختصار ما أفرزته هذه المفاوضات العبثية جملة من التنازلات ولعل من أبرزها مزيد من المستوطنات  وعمليات القتل والإرهاب ونهب الأراضي وتدمير الأخضر واليابس وهدم البيوت وإقامة الجدار العنصري الفاصل وتمزيق محافظات الوطن  وإقامة المئات من  الحواجز وملاحقة المجاهدين والمقاومين وبتنسيق امني اقل ما يقال عنه ” جريمة وقحة  ” ، انه لمن السخرية أن تمر عشر سنوات ولم تفلح السلطة الفلسطينية من رفع حاجز واحد أو السماح لثلاثة أشخاص من الدخول معا لقرية حواره إحدى قرى محافظة نابلس وبدون تصريح أو vip   . ولكن ما يثير الاشمئزاز ويبعث على الاستغراب أن أصحاب هذا الطريق مازالوا يراهنون على المفاوضات كحل سحري لا مثيل له لتحقيق السلام العادل والشامل  وإقامة الدولة الفلسطينية العتيدة ، فخاب وخسر أولئك ” الواهمون “.


 


على الجهة الأخرى وبصرف النظر عن مدى نجاح أو فشل الاتفاق المبرم أو التزام الطرفين مائة بالمائة ببنوده فهو بمثابة تجربة فريدة وانجاز يحُسب لحماس التي لم تخض تجربة المفاوضات من قبل وخاضتها لأول مرة وبشكل غير مباشر واستطاعت بثبات وتصلب موقفها تحقيق عدة نقاط :


 


 – نجاحها في خوض أول تجربة مفاوضات دون التفريط بأي من المواقف والثوابت وهذا كفيل لها بإدارة أي مفاوضات مستقبلية تضمن فيها حقوق ومتطلبات شعبنا الفلسطيني .


 


ً- فرض شروطها ورؤيتها وخاصة فيما يتعلق بوقف العدوان بشكل كامل على قطاع غزة وفتح المعابر التجارية بشكل تدريجي والفصل بين التهدئة وإعادة تشغيل معبر رفح بالإفراج عن الجندي الأسير جلعاد شاليط وهو ما فشلت فيه السلطة الفلسطينية على مدار السنوات العشر الماضية حيث لم تتمكن وبمفاوضات ولقاءات ومؤتمرات مكثفة وقف العدوان عن بلدة أو قرية واحدة  من قرى ومحافظات الوطن السليب وبالتالي استطاعت حماس وبذكاء وحنكة ودون أي مقابل انتزاع اعتراف صهيوني بوجودها وشرعيتها وأنها رقم قياسي لا يمكن بأي حال  تجاوزه أو القفز عنه ، وانه لا امن ولا استقرار في منطقة الشرق الأوسط دون إشراكها في أي حلول للقضية الفلسطينية.


 


لقد استطاعت حماس وبكل بساطة تحقيق ما فشل فيه الآخرون وذلك بفرض وتأكيد المعادلة المشهورة والقائلة ” ما اخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ” وهذا بحد ذاته يعد انجازا لإستراتيجيتها التي استطاعت من خلالها الجمع بين السلاح والسياسة في آن واحد.

مقالات ذات صلة