عين على العدو

هدوء يسبق العاصفة أم تحوّل في الموازين الإستراتيجية؟

شهد الشرق الأوسط خلال الأسابيع القليلة الماضية عدداً من الأحداث والمعطيات المفاجئة والمثيرة بدت وكأنها تشكل منعطفاً جديداً ونقطة تحول في نمط التفاعلات الذي اعتادت عليه المنطقة لفترة طويلة. فبعد حالة استقطاب حاد راحت تعم المنطقة كلها وتدفع بتفاعلاتها في اتجاه التصعيد الذي وصل في بعض اللحظات إلى حافة الانفجار الشامل والوشيك، إذا بالسحب المتجمعة في السماء الملبدة بالغيوم تنقشع فجأة، وتخف جلجلة الرعود، وتتلاشى ومضات البرق وتصفو الأجواء وكأن الشمس على وشك أن تشرق من جديد. ولأن الأوضاع اللبنانية بدت دائماً وكأنها المجرى الذي يصب فيه مجمل تفاعلات المنطقة، بل ونفاياتها أيضاً، فقد كان من الطبيعي أن تتحول الساحة اللبنانية إلى مختبر أرصاد دقيق يصلح لتسجيل واستطلاع درجات الحرارة في المنطقة وتحديد مصادر واتجاه الريح والعواصف القادمة وحتى قياس حالة الزلازل والبراكين، الخاملة منها أو القابلة للتحرك أو الانفجار أو الفوران من جديد.


 


لم يكن من قبيل المصادفة أن يبدأ البركان اللبناني الخامل نشاطه من جديد بعد أشهر قليلة من انتهاء عملية غزو واحتلال العراق وإسقاط نظامه. فما أن تمكنت الولايات المتحدة من تحقيق هدفها العاجل، وبدا واضحاً للجميع أنها جاءت إلى العراق لتبقى وأنها لم تستهدف هذا البلد وحده أو لذاته وإنما أرادت أن تتخذه نقطة ارتكاز تنطلق منها لإعادة رسم خريطة المنطقة بما يتواءم مع مصالحها الكونية ورؤيتها لما يجب أن يكون عليه عالم ما بعد 11 أيلول (سبتمبر)، حتى بدأت القوى الدولية الكبرى، بما فيها القوى التي سبق لها الاعتراض على غزو العراق واحتلاله, ترضخ للمشيئة الأميركية وتستسلم لطموحاتها بل وتبدي استعدادها للتعاون وتقديم المساعدة. ولم يكن من الصعب على أي مراقب للأوضاع في المنطقة وفي العالم أن يدرك أن التركيز في المرحلة التالية سينصب على محاولة التخلص من النظم والقوى المعادية للسياسة الأميركية في المنطقة. وتطلبت هذه المرحلة بالطبع: 1- العمل على نزع سلاح «حزب الله»، وهو أمر كان يصعب تحقيقه من دون إخراج سورية من لبنان. 2- منح “إسرائيل” الضوء الأخضر لتدمير فصائل المقاومة الفلسطينية، بل والتخلص من ياسر عرفات إن لزم الأمر. 3- التفرغ بعد ذلك لما تعتبره الولايات المتحدة رأس الأفعى في المنطقة، أي إيران.


 


وهكذا، وتحت ذريعة عدم وفاء سورية بوعود كانت قطعتها على نفسها بعدم الإصرار على التمديد للرئيس إميل لحود، تعاونت فرنسا مع الولايات المتحدة لاستصدار قرار مجلس الأمن رقم 1559. ولأن هذا القرار لم يكن قابلاً للتنفيذ تلقائياً على الأرض، فقد تطلب الأمر تهيئة الأجواء لإطلاق عملية حراك داخلي كان مطلوباً لإجبار سورية على الرحيل من لبنان، وهو ما وفرته جريمة اغتيال رفيق الحريري. وبخروج سورية بات واضحاً أن الولايات المتحدة وفرنسا كسبتا معاً الجولة الأولى من معركة الصراع على لبنان في حرب لا يتحقق النصر النهائي فيها إلا بإسقاط النظامين السوري والإيراني معاً، حليفي «حزب الله».


 


غير أنه سرعان ما تبين أن إخراج سورية من لبنان لا يكفي لنزع سلاح «حزب الله» وبالتالي لضمان تحييد لبنان في المحطات التالية. وهنا بات من الضروري أن يدخل العامل الإسرائيلي على الخط. ولأن “إسرائيل” لم تكن في ذلك الوقت مستعدة لتقديم مزارع شبعا ثمناً لتفعيل الضغوط السياسية ومنح حلفاء الداخل اللبناني ورقة مهمة جداً لإحراج «حزب الله»، فضلاً عن رغبتها في الثأر لهزيمتها أمامه عام 2000، فقد دفعت بالأمور في اتجاه التصعيد العسكري، ربما اعتقاداً منها بأن خروج سورية من لبنان يحول الحزب إلى هدف سهل الاصطياد. هكذا اندلعت الحرب في صيف 2006 والتي حاولت الولايات المتحدة خلالها تهيئة أجواء المنطقة سياسياً لمرحلة «ما بعد حزب الله»، بدفعها نحو حالة استقطاب سني – شيعي يسهل في سياقها تغيير صورة الحزب من حركة مقاومة إلى أداة طائفية تحركها إيران. ورغم خسارة “إسرائيل” والولايات المتحدة، ومن ورائهما القوى المتحالفة معهما في المنطقة، لهذه الجولة من الصراع على لبنان، إلا أنهما لم تيأسا أو تستسلما، وظلتا تحاولان أن تحققا بالوسائل السياسية ما عجزتا عن تحقيقه في ميدان القتال، وذلك بالسعي نحو نقل الأزمة اللبنانية إلى طور جديد، خصوصاً عقب انتهاء ولاية إميل لحود، يأخذ هذه المرة شكل الصراع الداخلي على السلطة. ومما لا شك فيه أن أخطاء وقعت فيها سورية وحلفاؤها من اللبنانيين سهلت من مهمة القوى الدافعة في هذا الاتجاه. وهكذا راحت الأزمة اللبنانية في طورها الجديد تتفاعل وتتصاعد تدريجياً إلى أن وصلت، خصوصاً بعد قرار الحكومة اختراق شبكة الاتصالات الداخلية الخاصة بالمقاومة، إلى حافة الحرب الأهلية واستخدام السلاح.


 


عند هذه النقطة راح المشهد الإقليمي يتغير فجأة بل وينتقل من النقيض إلى النقيض وكأن يد ساحر بدأت تعيد تشكيل معطياته على المسارات كافة:


 


1- فعلى الصعيد اللبناني: قامت قطر، وبدعم واضح من جامعة الدول العربية، بالدعوة إلى اجتماع في الدوحة لباها على الفور جميع الفرقاء اللبنانيين وانتهى باتفاق على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للدولة، وعلى تشكيل حكومة وحدة وطنية يكون للمعارضة فيها ثلث ضامن، وعلى تكليف البرلمان بإعداد قانون انتخابي جديد تمت الموافقة على أسسه العامة وخطوطه العريضة.


 


2- وعلى الصعيد السوري: أعلنت تركيا أنها ترعى مفاوضات غير مباشرة بين سورية و”إسرائيل”، وتبين لاحقاً أن جولات سابقة عقدت وأن المفاوضات تشق طريقاً بثبات وجدية وعلى وشك أن تتحول إلى مفاوضات مباشرة. وما هي إلا أيام قليلة حتى كانت فرنسا توفد مبعوثين على مستوى عال إلى دمشق، في محاولة واضحة لمكافأة سورية على دورها في إنجاز اتفاق الدوحة، وتوجه للرئيس بشار الأسد دعوة رسمية للمشاركة في قمة «الاتحاد من أجل المتوسط» ولحضور احتفالات فرنسا بذكرى ثورتها الكبرى في إشارة بالغة الدلالة على أن مرحلة القطيعة بين البلدين طويت. الأدهى من ذلك ما يتردد الآن بقوة في وسائل الإعلام من إصرار ساركوزي على عقد لقاء مباشر بين الرئيس بشار الأسد ورئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت على هامش قمة واحتفالات باريس.


 


3- وعلى الصعيد الفلسطيني: أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن استعداده لعقد مصالحة مع «حماس» على أساس المبادرة اليمنية التي تبنتها جامعة الدول العربية. ثم، وفجأة أيضاً، خرجت الجهود التي تقوم بها مصر للتوصل إلى تهدئة بين “إسرائيل” وفصائل المقاومة الفلسطينية، من النفق الطويل المظلم الذي كانت دخلت فيه، وأعلن عن التوصل إلى اتفاق على مراحل يسمح بوقف عمليات الاغتيال وإطلاق الصواريخ وفتح المعابر وفك الحصار، ودخلت المرحلة الأولى حيز التنفيذ بالفعل، وليس من المستبعد أن يهيئ الوضع الجديد أجواء أفضل لإبرام صفقة تتم بموجبها مبادلة الجندي الإسرائيلي الأسير غلعاد شاليت بعدد معقول من الأسرى الفلسطينيين.


 


4- وعلى الصعيد الإيراني: توجه منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا مرة أخرى إلى طهران حاملاً معه عرضاً بحوافز جديدة تبدو أكثر إغراء لإيران لأنها تساعدها على الحصول على احتياجاتها من الطاقة النووية وفك العزلة والحصار ورفع العقوبات المفروضة عليها بل والاعتراف لها بدور مهم في إدارة الشأن الإقليمي، مقابل القبول بوقف عمليات تخصيب اليورانيوم مؤقتاً، إلى أن يتم الاتفاق على تفاصيل الصفقة التي يتعين أن تحدد مكان وطريقة تخصيب اليورانيوم الذي ستحصل عليه إيران لمواصلة برنامجها النووي السلمي. غير أن إيران لم ترد رسمياً حتى الآن، والأرجح أنها لن ترفض صراحة ولن تقبل العرض المقدم لها كما هو على الفور.


 


هذه التطورات المتسارعة، والتي جرت خلال فترة زمنية تبدو مذهلة من فرط قصرها، توحي بأن شيئاً بدأ يتغير وأن معطيات المنطقة لم تعد كما كانت قبل أسابيع قليلة. فما الذي تغير يا ترى؟ وكيف يمكن قراءة هذه المعطيات الجديدة؟ في اعتقادي أن هناك قراءتين مختلفتين لها:


 


القراءة الأولى: متفائلة، توحي بأن الأطراف المعنية كافة وصلت إلى قناعة تقول بعدم قدرة أي من المعسكرين المتصارعين على فرض رؤيته على المعسكر الآخر، في ما يتعلق بتسوية أي من الملفات أو الأزمات المفتوحة، بالقوة، وبالتالي لم يعد هناك مفر من التوصل إلى حلول وسط. القراءة الثانية: أكثر تشاؤماً، وتؤكد أن زمن الحلول الوسط ولّى، وأن ما جرى أخيراً، على مختلف المسارات ليس سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة، وبالتالي فالمنطقة مقبلة حتماً على انفجار كبير بات من الصعب تجنبه.


 


ونحن أميل إلى القراءة الثانية، وذلك لأسباب كثيرة منها: 1- عدم توافر عوامل موضوعية كافية تسمح بالتوصل إلى حلول وسط مقبولة على أرض الواقع من جميع الأطراف المعنية بأي مسار من المسارات، رغم توافر عوامل تدفع في اتجاه التوصل إلى تهدئات مؤقتة أو لتجنب التصعيد على الأقل، ولكن لدوافع وأسباب شديدة التباين. 2- لا توجد أي أطراف دولية أو إقليمية فاعلة، باستثناء الولايات المتحدة و”إسرائيل”، لها مصلحة في التصعيد، لكن هذه الأطراف لا تملك في الوقت نفسه أوراقاً تسمح لها بتعديل موازين القوى على نحو يساعد على التوصل إلى تسويات مقبولة من الجميع. 3- سبق للولايات المتحدة و”إسرائيل” أن جربتا محاولات فرض حلول أو تسويات بالقوة، خصوصاً على الساحتين اللبنانية والفلسطينية، لكنهما منيتا بفشل ذريع أو، على الأقل، لم تتمكنا من تحقيق إنجازات حاسمة على الأرض. ومع ذلك لا توجد دلائل تشير إلى أنهما باتتا على وشك التسليم بالأمر الواقع أو قبوله. فكلتاهما ما زالتا تنظران إلى إيران باعتبارها مصدر التهديد الرئيسي لأمنهما ولمصالحهما في المنطقة، وكلتاهما تدركان أنه ما لم يتم تدمير البرنامج النووي الإيراني أو احتواؤه بشكل كامل قبل الخريف المقبل فسيكون من العسير تحقيق هذا الهدف في المستقبل المنظور.


 


لهذه الأسباب كلها ليس من المستبعد إطلاقاً أن تكون محاولات التهدئة الجارية حالياً على محطات مختلفة من قوس أزمات الشرق الأوسط مجرد لحظة هدوء تسبق عاصفة ضربة جوية يجري الإعداد لها الآن على قدم وساق. يدعم هذا الاستنتاج أن عدداً كبيراً من التقارير الصحافية الجادة التي اطلعت عليها أخيراً تجمع على أمرين أساسيين:


 


الأول: أن “إسرائيل” لم تعد تثق في إمكانية إزالة التهديد الذي يمثله البرنامج النووي الإيراني بالوسائل الدبلوماسية، وباتت مصممة على استخدام كل الوسائل الأخرى المتاحة، بما فيها الوسائل العسكرية، للتعامل مع هذا الخطر قبل نهاية ولاية بوش، وأن بوش يبدو متفهماً تماماً لوجهة النظر هذه، ومستعداً للتجاوب معها، بل ويعد الخطط حالياً، وبكل جدية، للتعامل مع هذا الخيار، وهو ما يشير إليه كريس هدجز بكل وضوح في مقال له بعنوان «فخ إيران» نشر بتاريخ 8 حزيران (يونيو) الحالي، كما يستدل في المقال المشار إليه بالخطاب الذي وجهه جون كونيارز، رئيس اللجنة القانونية في مجلس النواب الأميركي، إلى الرئيس بوش مهدداً إياه بالبدء في إجراءات تنحيته في حال إقدامه على ضرب إيران، ويرى فيه مؤشراً على وجود نيات واستعدادات أميركية جدية لضرب إيران.


 


الثاني: أن إيران تملك أوراقاً كثيرة لردع الولايات المتحدة و”إسرائيل” عن الإقدام على مثل هذا العمل والذي يرى فيه كثيرون ضرباً من الجنون. لكن من ذا الذي بوسعه أن يقطع بأن بوش ليس مجنوناً؟ أنا شخصياً لا أستبعد أن يقدم بوش على ضرب إيران معتقداً بأنه يمهد بذلك لمعركته الإيمانية الكبرى «أرماغيدون».

مقالات ذات صلة