الأمن المجتمعي

كيف يتخذ القائد القرار في المعركة الحديثة (جزء 1)

 


تمهيد:


تُجمع كافة المذاهب العسكرية المعاصرة على أن القرار الذي يتخذه القائد التكتيكي في الميدان هو أخطر عمل فكري وعملي يقوم به القائد أثناء القتال. وهو حق أساسي من حقوقه الأصلية التي كفلتها الأنظمة والقوانين العسكرية، ولا ينازعه في هذا العمل القيادي أحد من عناصره أو معاونيه، فله أن يستشيرهم قبل اتخاذ القرار، ولكن إعلان هذا القرار وتبليغه للمرؤوسين بعد أخذ الموافقة عليه من قبل القائد – أو الرئيس – الأقدم، هو عمل شخصي مُلقى على عاتقه بالذات… وفي هذه المقالة، سوف نستعرض المراحل أو الطرق التي يسلكها قائد القطعة أو الوحدة المقاتلة خلال عملية اتخاذ القرار القتالي في المعركة الحديثة المشتركة؛ مع العلم بأن هذه الدراسة أُعدّت لشرح عملية اتخاذ القرار على المستوى التكتيكي، أي على مستوى – قائد سرية، قائد كتيبة، قائد لواء – ومع التنويه على الفروق الرئيسة في عمل هؤلاء القادة، والأعمال الإضافية التي يقوم بها قادة التشكيلات الكبرى – فرقة فما فوق – خلال عملية اتخاذ القرارالقتالي.


 


يمكن القول إن تسلسل عمل القائد التكتيكي من أجل اتخاذ القرار في المعركة الحديثة المشتركة التي تساهم فيها كافة أنواع وصنوف الأسلحة البرية والجوية لابد أن يمر بالمراحل التالية:


 


استيعاب المهمة القتالية، حساب الوقت، تقدير الموقف القتالي، إجراء الاستطلاع الشخصي، اتخاذ القرار. وهذا ما سوف نراه إن شاء الله في سياق هذا البحث المختصر، مع الاستعانة بالمخططات والرسوم التوضيحية عند الضرورة. وقد ساعد تطور وسائط القيادة والسيطرة في وقتنا الحاضر كالحواسب الآلية ووسائط الاتصالات – الإشارة – المتقدمة في تسهيل عملية اتخاذ القرار وخلال مهلة زمنية مقبولة.


 


تفهُّم المهمة:


تأتي المهمة القتالية عادةً من النسق الأعلى المباشر، وتكون جزءاً من المهمة الأكبر الملقاة على عاتق هذا النسق، وهناك حالات خاصة يُحدد فيها القائد مهمته القتالية بنفسه وببداهة، وذلك عند انقطاع اتصاله مع النسق الأعلى المباشر ووجود وضعٍ يفرض عليه التصرف والمبادرة بسرعة ودون انتظار أوامر. وليست المهمة عنصراً مستقلاً، ولكنها تقع ضمن إطار وضع عام، ومن الضروري فهمها ضمن هذا الإطار.


 


وتتجسد المهمة بأشكالها النهائية على الأرض، وعلى القائد أن يتفصحها بدقة ويعمل على تنفيذها بصورة حرفية، لأن لها طابعاً إلزامياً – إلاّ الحالات الخاصة التي ذكرناها آنفاً – ويعني فهم – أو استيعاب – المهمة، التقاط كل مداها وسعتها – مكانياً وزمنياً – وتحديد أهدافها، أي الأثر الذي ينبغي أن تحدده بالنسبة للعدو. وبعد تحديد الهدف، يصبح القائد ملزماً بالتمسك به من خلال التخطيط اللاحق، وعدم إضاعته أو الانحراف عنه أثناء التنفيذ. وباختصار فإن القائد الميداني يخرج بعد تفهمه للمهمة بصورة دقيقة ومُركزة باستنتاجات عن دور ومكان وحدته وكفاءتها في تنفيذ المهمة القتالية الموكولة لها.


 


 حساب الوقت:


 


بعد الانتهاء من تفهم المهمة يقوم القائد بعملية حساب الوقت، وهذه العملية تتم على مستوى قائد سرية أو قائد فصيلة مقاتلة من قبله شخصياً على ورقة أو على هامش خريطة العمل، ولكن على مستوى كتيبة أو لواء تتم من قبل رئيس أركان الوحدة أو القطعة المذكورة. والغاية من هذه العملية الذهنية – الحسابية – أن يعرف القائد الوقت المتوفر له والوقت المخصص لوحداته كي تكون جاهزة لبدء العمل القتالي. ويسير على هدي هذا البرنامج وتوزيع الوقت المخصص للأعمال المقبلة.


 


وننوه هنا بأن الوقت الذي كان يتوفر للقائد في السابق كان مريحاً ومطولاً بعض الشيء، ولكن في الظروف الحالية قد يكون هذا الوقت ضئيلاً جداً ويتطلب من القائد سرعة العمل، مع مراعاة أن يُخصص لنفسه الوقت الأقل ويُخصص لوحداته ومرؤوسيه الوقت الأكبر. ويخرج في عملية حساب الوقت بنتيجة مفادها معرفة الوقت اللازم له كي يرفع قراره للتصديق من قبل القائد الأقدم، والوقت المتوفر لوحدته كي تكون جاهزة لخوض الأعمال القتالية والمباشرة فيها.


 


 تقدير الموقف القتالي:


إن تقدير الموقف بصورة عامة هو مجموعة الأعمال التي تشمل جمع المعلومات حول العناصر التي ستؤثر على اتخاذ القرار وتحليلها، وتقديمها إلى القائد المسؤول عن اتخاذ القرار. وتشمل هذه العناصر على صعيد تقدير الموقف العملياتي أو التكتيكي ما يلي:


 دراسة قوات العدو وقوات الصديق، والحالة النفسية للقوات المقاتلة، وطبيعة مسارح المعارك المنتظرة، وحالة الطقس، والزمن المتوفر، ومستوى الشؤون الإدارية – الحالة اللوجستية – للأنساق المحاربة، وكلما صَغُرَ النسق الذي يقدر الموقف ضاقت العناصر التي تدخل في هذا التقدير.


 


ويتم تقدير الموقف بعد تلقي المهمة القتالية واستيعابها كما أسلفنا وهو يُنفَّذ من قبل هيئات الأركان على مستوى اللواء – ومن قبل القادة أنفسهم في الكتيبة والسرية والفصيلة والجماعة – ثم يطرح رؤساء أقسام – شعب – الأركان وقادة الأسلحة المعاونة تقديراتهم الخاصة حول الموقف القتالي أمام القائد أو رئيس أركانه، ويقوّمون الاقتراحات التي تأخذ قيمة استشارية فقط، وتكون أرضية موضوعية للقائد الذي سيتخذ القرار. ويكون تقويم هذه التقديرات في اجتماع – مؤتمر – خاص يُعقد لهذه الغاية، ويستمع فيه القائد أو رئيس أركانه للتقديرات المختلفة بشكل مفصل مدعوم بالبيانات والخرائط والجداول، ولكن ظروف المعركة خصوصاً في الشروط الحالية المعاصرة قد تُجبر القائد أو رئيس أركانه على سماع تقارير ضباط الأركان وقادة الأسلحة المعاونة بشكل منفرد، وتكون التقارير في هذ الحالة قصيرة وسريعة وتُركز على النواحي العملية فقط.

مقالات ذات صلة