عين على العدو

أبعاد جدل الدولة العبرية حول ملف الجنود الأسرى

في “إسرائيل” يثور جدل حول التعامل مع ملف الجنود الصهاينة الأسرى الذين وقعوا في قبضة حزب الله، أو في يد حركة حماس وفصائل المقاومة الأخرى التي تعاونت معها، والذين مضى عليهم أكثر من عامين، سواء كانوا أحياءً أو أمواتاً، ويكشف هذا الجدل عن تأثيرات عميقة تركتها عملية الأسر في بنية المجتمع الصهيوني، والدولة العبرية، تتجاوز ضغوط آباء وأمهات الأسرى لإطلاق سراح أبنائهم أو معرفة مصيرهم، والمطالبة باستلام جثثهم.


 


فمن جهة؛ هناك انتقادات للحكومة ولرئيسها إيهود أولمرت ولجنرالات الجيش، لتجردهم من القيم الأخلاقية والإنسانية في تعاملهم مع هذا الملف، واستهتار بالجنود وكرامتهم الإنسانية، حيث لا تجد الصحافة العبرية مبرراً لعدم الدخول بمفاوضات جدية لإطلاق سراح جلعاد شاليط، وجعله كسلعة تساوم عليها، وعدم تلبية مطلب حماس كماً (العدد الذي تطالب به حماس هو ألف أسير) ونوعاً (تطلب حماس الإفراج عن أصحاب المدد الطويلة الذي ن تصفهم “إسرائيل” بأنهم من أصحاب الأيادي الملطخة بالدماء).


 


وفي هذا الصدد؛ ذكرت افتتاحية لصحيفة هآرتس أن “”إسرائيل” التي فضلت، وعن حق، تجربة وقف النار مع حماس على الحملة العسكرية، تحاول الآن، لشدة الغضب، ابتلاع لقمة فظة جداً، وهي دمج وقف النار وفتح معبر رفح مع تحرير جلعاد شاليط، اثنان بثمن واحد، وكأن الحديث يدور عن حملة في شبكة بيع بالمفرق”.


 


وترى الصحيفة أن “الحكومة سوّقت جملة من المعاذير، فيما نسيت لبّ المشكلة: مكانة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على التصدي العسكري لمنظمة إرهابية أو دولة معادية، وقوتها لا تقاس فقط بقدرتها على الردع، وإنما تقاس أيضاً بثقة الجمهور بنزاهتها، بقدرتها على العمل برأفة واستعدادها لدفع ثمن باهظ مقابل الثمن الباهظ الذي يدفعه مواطنوها”.


 


وفي جانب تدهور الجانب الأخلاقي لقيادات “إسرائيل” على المستويين العسكري والسياسي سواء في التعامل مع أبنائها أو منتسبيها، أوردت صحف عبرية أيضاً تصريحات لأولمرت نقلها عنه نوعام شاليط، والد جلعاد شاليط، والذي قال “ليس لديه عقد يلزمه بتحرير أي مواطن من الأسر”، وتصريحات لجنرالات في جيش الاحتلال خصوصاً رئيس الأركان السابق بوغي يعلون، الذي صرح بقوله “توجد أوضاع يجوز فيها التضحية بأسير”، وهو ما دفع الكاتب في صحيفة “معاريف” روبيك روزنطل للقول إن هذه العبارة تقولها وتطبقها أسوأ الأمم، معتبراً أنها تحطم شظايا مبدأ مقدس في الجيش الإسرائيلي.


 


وفي نفس الاتجاه؛ فإن الكاتب الدائم في “هآرتس” أكد أن “انزلاق القضية نحو النقاش في وسائل الإعلام والجهاز السياسي لا يلحق الأذى بعائلات الأسرى فقط، وإنما يؤثر على الجنود الذين سيرسلون غداً إلى المهمات التي قد يقتلون فيها أو يسقطون في الأسر أو الاختطاف” بمعنى أنهم سيفكرون في إذا كان قدرهم سيجعلهم أوراق لعب بيد السياسيين مستقبلاً.


 


ورغم أن يسرائيل هرئيل الكاتب في صحيفة “هآرتس” العبرية يتحدث في اتجاه معاكس لما سبق؛ إلا أنه من خلال تحليله للإشكالية المتعلقة بالجنود الأسرى وما يتصل بها، يكشف عن جوانب أخرى تتصل بالمجتمع الإسرائيلي، وما يعانيه من مأزق وخلل بنيوي لم يعد بالإمكان ستره، بعد ستين عاماً من قيام الدولة.


 


فهو يرى أن الضغط الإعلامي والشعبي الذي مورس في الأسبوع الماضي على الحكومة الإسرائيلية لدفع ثمن غير منطقي مقابل المخطوفين (لدى حماس وحزب الله) برهن لشعوب المنطقة – خصوصاً حزب الله والفلسطينيين – على أن (إسرائيل) مثل بيت العنكبوت بلا أساس، ويشير إلى أن تصرف الجبهة الداخلية الإسرائيلية خلال حرب لبنان يدلل على رغبة معدومة في مواجهة الوضع الأزماتي، الذي يتضمن وقوع أضرار في الأرواح والممتلكات هي ضئيلة وقليلة جداً بالمقارنة مع حزب التحرير( لدولته)، وكذلك الحال أيضاً في حرب القسام، في إشارة منه لعدم احتمال المدن المحيطة بغزة (النقب) للصواريخ التي تطلقها المقاومة.


 


ويضيف إلى ذلك؛ أن “إسرائيل” لا تتجرأ على المخاطرة بحياة جنودها من أجل الخروج من الوضع الذي تتضرر فيه سيادتها وقدرتها الردعية، خوفا على ثقة مواطنيها في حكومتهم.


 


ويشدد هرئيل على أن قبول “إسرائيل” شروط حزب الله لإطلاق سراح الجنود المخطوفين في الشمال (إسرائيل) وكذلك شروط حماس لوقف إطلاق النار في الجنوب ـ خصوصاً عدم تضمين شاليط في الاتفاق ـ، يعني أنها أهينت في الساحتين وعادت إلى نمط السلوك المرفوض الذي وعد رئيس وزرائها من قبل بعدم العودة إليه.


 


ويبرهن على ذلك بقوله إن “حسن نصر الله عندما لاحظ وجود ميول نحو التنازل لدى الرأي العام (الإسرائيلي) في قضية المخطوفين، واستعداد الحكومة للخضوع لها،لا غرابة أنه يضيف المزيد من المخربين الفلسطينيين إلى قائمته بعد أن أوشكت الصفقة على النضوج” وفقاً لتعبيره.


 


ويخلص الكاتب الإسرائيلي إلى أنه “لا مفر من القول إننا موجودون في عملية فقدان للبصيرة والشجاعة في آن واحد”، لأن مثل هذه الصفقات كما يعتقد “ستزيد من شهوة العدو في مواصلة التخريب والاختطاف”، ولن تضع خطاً نهائياً لعمليات مماثلة قد تقوم بها المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية.

مقالات ذات صلة