عين على العدو

إسرائيل والقلق الإقليمي… التوتر شمالاً ووجود بوش

تتقلب المواقف الإسرائيلية حيال سوريا بين إطلاق التهديدات وإرسال إشارات التهدئة. وبرغم ميل المسؤولين السياسيين الإسرائيليين، في اليومين الأخيرين، للحديث عن أن التوتر مع دمشق «مصطنع»، يؤكد مسؤولون أمنيون أن التوتر قائم لأسباب موضوعية، معتبرين أن أساس الخشية من تدهور الوضع يقوم على قاعدة توفر أسباب سوء قراءة كل طرف لنوايا الطرف الآخر.


وكتب المراسل العسكري لـ«هآرتس» عاموس هارئيل أنه «بعد يوم من مساهمة الساحة السياسية والامنية في اسرائيل في تصعيد التوتر الاعلامي مع سوريا، تحولت الى الاتجاه المعاكس وانتقلت الى بث رسائل تهدئة. التذبذب السريع يذكرنا بالتصريحات والتقديرات المتضاربة التي سادت في اسرائيل قبل نحو سنة فقط، في أشهر الربيع والصيف التي سبقت هجوم سلاح الجو على شمالي سوريا، في 6 أيلول من العام الماضي».


وتساءل هارئيل عن السبب الذي يخلق التوتر، مجيباً أنه يكمن في «التوقعات التي خلقها حزب الله في وعوده بالرد. واضح لكل الأطراف ان اسرائيل سترد بشدة على عملية قاسية، وأن مثل هذه الخطوة يمكنها أن تؤدي اخيرا الى تصعيد اقليمي».Åولاحظ هارئيل أن «التوتر على الجبهة الشمالية سيبقى لفترة طويلة جدا، على الاقل حتى عملية حزب الله الثأرية. ويحتمل بعدها ايضا».


ونقلت صحيفة «معاريف» عن مصدر أمني إسرائيلي أن «خطر اختطاف جنود أو تنفيذ عملية لا يزال يحوم فوق الحدود الشمالية. ولكن من الواضح للسوريين أن أي عــملية تــمس بالجنود الإسرائيليين على طــول الحدود، أو بمواطني دولة


إسرائيل، ستجر وراءها رد فعل قاسيا، ليس فقط على أرض لبنان. لذلك فإنهم يحاولون الإشارة إلينا بأنهم جاهزون للحرب وأن علينا الحذر من المساس بهم. ومن واجبنا أن نحرص على أن الضغط الشديد على الجانب السوري لن يخرج أبدا عن السيطرة. فالأمر يتعلق بخطوة تكتيكية بسيطة تترافق مع لعبة إعلامية كبيرة».


وركز المعلقون السياسيون والعسكريون الإسرائيليون على أن جانبا من سوء الفهم والتقدير المحتملين في المستقبل بين إسرائيل وسوريا، ينبع أصلا من تجربة الشهور الأخيرة. ففي الصيف الفائت توترت العلاقات جدا بين إسرائيل وسوريا على الحدود، وبعثت حكومة ايهود أولمرت برسائل تهدئة لدمشق. وما أن تراجع التوتر، حتى أقدمت إسرائيل على قصف المنشأة في شمالي سوريا في أيلول الماضي. ولهذا السبب فإن الرسائل الأخيرة التي نقلت لسوريا عبر تركيا وقوات الأندوف العاملة في هضبة الجولان، لم تفلح حتى الآن في تخفيض حدة التوتر.


وشددت «يديعوت احرونوت» على أن التوتر يستند أولا إلى الاعتقاد بأن ثأر «حزب الله» على اغتيال الحاج عماد مغنية آت، وهذا كفيل بحد ذاته لخلق التوتر. ولكن حتى إذا لم يكن هذا السبب كافيا، فهناك حساب مفتوح لم يغلق بعد بين إسرائيل وسوريا، بسبب قصف ما وصف بأنه منشأة نووية سورية في أواخر الصيف الماضي. ولهذا السبب عززت إسرائيل تدابيرها الاحترازية واستعداداتها، سواء بالمناورات والتدريبات التي تجريها أو بتعزيز الحراسات على منشآتها في الداخل والخارج وعلى طول الحدود.


واعتبر كبير المعلقين السياسيين في «يديعوت» ناحوم بارنيع، في مقالة بعنوان «لعنة سوريا»، أن هذا ليس وقت توتر مع سوريا. وأضاف إن عطلة عيد الفصح اليهودي وبدء فصل الربيع، بما يعنيه من ازدهار سياحي، لا يجعل من هذا الوقت زمنا للتوتر. ولهذا يرى أن الحديث عن التوتر مع سوريا احتل العناوين وتفوق على كل المشاكل الأخرى التي تواجهها إسرائيل، وهو ما وجد ترجمة له في إلغاء زيارة وزير الدفاع إيهود باراك لألمانيا وعودة مستشاري أولمرت من زيارة أميركية.


وأوضح بارنيع أن الغارة الإسرائيلية على شمالي سوريا استدعت إجراءات داخل الكونغرس الأميركي، ليس بسبب سوريا بل بسبب كوريا الشمالية. فبموجب اتفاق أبرمته، في أيلول ,2005 خمس دول هي الصين والولايات المتحدة وروسيا واليابان وكوريا الجنوبية مع كوريا الشمالية، تقرر أن تكشف الأخيرة عن برنامجها النووي وأن تنهيه. وتعهدت كوريا الشمالية بإغلاق مفاعلها النووي ووضع منشآته تحت الرقابة الدولية، بعد أن تكشف المعلومات حول المواد النووية التي نقلتها إلى دول أخرى. وفي المقابل، تعهدت هذه الدول بتزويد كوريا الشمالية بمعونات اقتصادية تعادل مليون طن من النفط.


وكان الحديث عن أن المنشأة التي قصفتها الطائرات الإسرائيلية شمالي سوريا، هي نووية أقيمت بالتعاون مع كوريا الشمالية، قد طرح علامة استفهام كبيرة حول هذا الاتفاق. وهذا ما طرح أسئلة كبرى على الإدارة الأميركية وعلى الحكومة الكورية الشمالية، وقد تفاعلت هذه الأسئلة في الكونغرس الأميركي. وثمة من يعتقد بأن زيارة مستشاري أولمرت لواشنطن كانت تتعلق بما يمكن نشره حول الغارة الإسرائيلية على سوريا، وما لا يمكن نشره. ويعتقد أن موعد انعقاد الجلسة الخاصة بمناقشة هذا الموضوع في إحدى لجان الكونغرس، في 17 نيسان الحالي، سيوفر للإعلام فرصة للإطلال على تفاصيل جديدة بهذا الشأن.


ورأى بن كاسبيت في «معاريف» أن قسما من التوتر بين سوريا وإسرائيل يعود إلى وجود الإدارة الأميركية الحالية. وأشار إلى أن كثرا «ينتظرون استبدال الادارة الاميركية او الحرب». وأضاف إن «بشار الاسد يريد استعادة هضبة الجولان من دون حرب مع اسرائيل. انه مستعد لاتفاق سلام مع اسرائيل على الطراز المصري ويشترط كل ذلك بحزمة امتيازات اميركية مهمة». وأشار إلى أنه «ليس بالوسع منح الأسد الآن هذه البضاعة. الرئيس (جورج) بوش ونائبه (ديك) تشيني غير جاهزين لسماع صوته في الوقت الحالي. الادارة الاميركية المغادرة تريد النجاح في تخريب كل ما تبقى في الشرق الاوسط في الوقت المتبقي. هم يفعلون ذلك. بصورة غير سيئة بالمرة. في دمشق وفي القدس استوعبوا ان هذا الامر لن يحدث في عهد بوش».


ورأى أن «كل هذا صحيح، شرط ألا يقرر بوش توجيه ضربة عسكرية جوية لإيران قبل إحالته الى التقاعد. اذا حدث ذلك فستنجر المنطقة كلها إلى حالة فوضى ضخمة. إيران ستطلق كل ما لديها في كل ناحية، حزب الله وحماس سيطلقان نيراناً مكثفة على اسرائيل، سوريا لن تتمكن من الخروج من هذه القصة من دون أن تتبلل ولا يعرف إلى اين سيؤدي ذلك».


وخلص إلى أن ثمة من يقول في تل أبيب: «إذا قام بوش بذلك فسنغفر له كل شيء. إعفاء اسرائيل والعالم من رهبة القنبلة النووية الايرانية يساوي في وزنه كل ثمن يترتب عليه. مؤشرات «نضوج» بوش لمثل هذه الخطوة تزداد في الاشهر الاخيرة. مثل اقالة الجنرال وليام فالون قائد (القيادة المركزية) الاميركي التي تمثل الشرق الاوسط وإيران، في ظل معارضة لخطوة عسكرية اميركية ضد ايران. او مثلا اجتماع مجلس الشورى السعودي بصورة استثنائية، حيث تداولوا سرا بآثار الهجمة العسكرية على المنشآت النووية الإيرانية».


وأضاف أن «الضغط الذي يمارسه أمراء الخليج على اميركا، حتى لا تسمح لايران بوضع يدها على القنبلة النووية، يقلص حاجتنا لممارسة الضغوط. ايهود اولمرت و(وزير الدفاع ايهود) باراك خرجا مع معنويات مرتفعة من اللقاءات من تشيني، الذي مر من هنا الشهر الماضي. كل هذه الامور تبشر بالسُحب التي تتلبد في سماء الخليج وتصل الى القدس».

مقالات ذات صلة