عين على العدو

مسمار في نعش حلم الدولة الكبرى

المجد – خاص

سئل أحد اليهود المهاجرين (المستوطنين على أرض فلسطين) عن سبب هجرته منها أي من فلسطين المحتلة أجاب: "ليس السؤال لماذا رحلنا بل السؤال لماذا بقينا طوال هذه المدة قبل أن نرحل" !!!؟؟

يعيش المستوطنون اليهود حالة من النفور داخل دولة الاحتلال الصهيوني لعدد من الاسباب، أهمها أن حياتهم معرضة للخطر، خصوصا وأن هذه المستوطنات التي يقبعون عليها تقع خارج نطاق الجدار العازل الهزلي الذي تبنيه دولة الاحتلال الصهيوني، وعدم شعورهم بالانتماء للأرض والبلد وشعورهم بسيطرة الهوية العربية على الأرض، مما يدفعهم إلى النظر في مغادرة الكيان إلى أي جهة أخرى.

بداية لا بدّ من التذكير بأن "المشروع الصهيوني"، يقوم في الأساس على تجميع أكبر عدد من يهود العالم ضمن دولة، تكون "ملاذاً آمناً وسالماً" لهم – حسب رؤيتهم وتعبيراتهم، ومنذ المؤتمر الصهيوني الأول للمنظمة الصهيونية، والذي مهد للصهيونية العالمية كحركة سياسية استعمارية أسبغت على اليهود صفة القومية والانتماء العرقي، ونادت بحل ما أسمته المشكلة اليهودية في العالم، وعارضت اندماج اليهود في أوطانهم الأصلية، ودفعتهم للهجرة إلى مكان ما يحميهم.

إن ظاهرة "الهجرة" العكسية تشكل ضربة قاصمة لأهم أسس الصهيونية، وتعاظمها يعني تعميق التشكيك اليهودي بجدوى استمرار المشروع الصهيوني المتجسد بالكيان الصهيوني الذي تشكل "الهجرة" اليهودية إليه عمودها الفقري.

وتعد ظاهرة امتلاك العديد من الصهاينة جنسية مزدوجة جزء من الشعور بالنفي الداخلي التي تميز قطاعات كثيرة من التجمع الاستيطاني الصهيوني، فهناك إحساس بـأن الكيان يتفكك ولا يمكن منع ذلك.

وأورد موقع "والا" العبري أن نسبة كبيرة من السكان اليهود في الأراضي المحتلة، يودون لو تمكنوا من الهجرة والإقامة خارج الكيان الصهيوني، وذلك استنادا الى استطلاع رأي أجراه معهد "ميدغام" لاستطلاعات الرأي في الكيان، لصالح وزارة التربية والتعليم الصهيونية، ووفقا لنتائج الاستطلاع فقد قال 30% من السكان اليهود القاطنين في فلسطين المحتلة، إنهم يرغبون بالهجرة من البلاد لو تمكنوا من ذلك، وتبين أن الراغبين في الرحيل هم بالأساس شبان يهود، في سن تتراوح ما بين 23 عاما و29 عاما، وقد أجري الاستطلاع بمناسبة مؤتمر "رحلة إسرائيلية كدافع للتغيير" الذي عقد في (الكنيست)، والذي يهدف إلى إيجاد طرق لخطاب مشترك في المجتمع الصهيوني لمواجهة هذه الظاهرة.

وقال مدير عام المشروع أوري كوهين: "حقيقة أن عددا كبيرا كهذا يقولون إنهم سيغادرون "إسرائيل" لو تمكنوا من ذلك، تدل على أن الكثير من مواطني "إسرائيل" لا يشعرون بالانتماء للدولة، وهذا معطى مقلق ويحتم علينا جميعا مواجهة هذه القضية الصعبة" وأضاف أن "معطيات الاستطلاع تدل على وجود مشكلة بالشعور بالهوية، والارتباط والانتماء للشعب والبلاد والدولة لدى جمهور آخذ بالازدياد في دولة "إسرائيل"، وهذا واقع يخلق شرخا وانقساما في المجتمع "الإسرائيلي" كله".

ورغم كثرة الاغراءات لليهود في العالم للذهاب والاستقرار في هذا الكيان الاحتلالي الغاصب والذي يقوم بها مبعوثين، إلا أنك تجد المفارقة هي أن هؤلاء المبعوثين يقررون الهجرة من الكيان والاستقرار في البلدان التي يخدمون فيها، وتم الكشف عن هذه الظاهرة في الوقت الذي تدرس فيه الحركة الصهيونية، بمختلف مؤسساتها الحكومية وغير الحكومية، سبل وقف الظاهرة ومعالجة ظاهرة أخرى مقلقة هي "خطر انقراض اليهود"، ويعتبرونها أزمة كبرى للصهيونية، إذ أن عدد اليهود لم يزد خلال ربع القرن الأخير سوى نسبة 2 في المئة فقط مقارنة بالأعوام السابقة.

لماذا يهربون

–  الخوف وفقدان الأمان وقد جاء هذا في أعقاب الحرب على غزة (تموز2014)، حيث بدت الصورة قاتمة، فلم يعد ترك الكيان الصهيوني خيانة وطنية كما كانت توصف سابقاً، بل فرصة حقيقية للنجاة، وقد جاء هذا التخوف من خلال لقاءات مع صهاينة، هاجروا لدول أوروبية أعربوا فيها عن سعادتهم بهجرتهم من هذا الكيان، ولا يمكن أن يكون الخوف والتوتر والضيق الاقتصادي قدرهم للأبد، فيما سعى بعضهم لتنظيم حملات هجرة جماعية.

–  ومن وجهة نظر صهيونية يحاولون نفي القلق والخوف الذي يلاحق المستوطنين من مواجهة قادمة مع أي جهة كانت وخطر الانفاق وما تعده المقاومة الفلسطينية، بأن الهجرة من الكيان هي اقتصادية معيشية، بما أوردته صحيفة هآرتس على لسان الباحث في معهد بروكدايل ميخائيل فيليفوف بأن "إسرائيل لم تعد مكانًا جذابًا للمهاجرين اليهود"، فالبدء بحياة جديدة فيها عام 2016 ليس كما كان في التسعينيات بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة.

وقد عزى الخبير الفلسطيني في الشأن العبري، محمود ميعاري، أن السبب في رغبة اليهود بالهجرة من الأراضي المحتلة يعود إلى عاملين؛ أولهما الوضع الاقتصادي وثانيهما الوضع السياسي الداخلي غير المستقر، إلى جانب الجو العام وحالة عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وبعد العدوان الصهيوني على قطاع غزة في 2014 بشكل خاص، فبعد أن طالت صواريخ المقاومة الفلسطينية العمق الصهيوني، لتوقع خسائر مادية ونفسية وعسكرية كبيرة، علت أصوات كثيرة بين الشباب في التجمع الاستيطاني اليهودي، مطالبة بالهجرة إلى خارج فلسطين المحتلة بحسب ما نشرت الكثير من المواقع العبرية حينها، ما يؤكد على عدم تمسك الجيل اليهودي الجديد بالأرض الفلسطينية المحتلة التي أنشئت عليها دولة الاحتلال، وثمة دلالات ومؤشرات أكدت أن المجتمع الصهيوني هش وحساس لقضية استقرار الأمن من عدمه، حيث يعتبر العامل الجاذب وكذلك الطارد الأهم لليهود من فلسطين المحتلة وإليها.

إن الحاصل الآن في الكيان الصهيوني أمر جلل وأن التخوف من انقراض اليهودية يدعم بشكل أساسي خبو أملهم في أرض الميعاد وأن أملهم هذا بدأ يضمحل وسيزول بإذن الله، ولعل الدافع الأساس والذي لا يستطيع أن يواريه أحد، هو أن الهجرة هو رحيلٌ بدافع الخوف وفقدان الأمان، وتردي الأوضاع الأمنية والمخاوف من تصعيد عسكري ثانٍ مع الفلسطينيين والرعب الذي أنزله الله في قلوبهم كلها أمور ستعجل بزوال المغتصب، ولعل ميعادنا بالتحرير قد اقترب.

مقالات ذات صلة