عين على العدو

مزايدات على هامش التهدئة !

لعل من أعظم بركات التهدئة الأخيرة هي تلك اليقظة المفاجئة لبعض الكتائب والمجموعات التي تنسب نفسها للمقاومة، والتي تذكرت فجأة أن هناك اعتداءات صهيونية تستوجب الرد، وأن الصمت عليها واحترام التهدئة هو جريمة أو (خيانة) على حد تعبير أحد بيانات كتائب الأقصى، التي يصدر عنها يومياً عشرات البيانات المتضاربة إما لتبني عمليات ليست من تنفيذها، أو للتهجم على حماس، أو لمباركة وتأييد هذا القيادي أو ذاك من حركة فتح!


 


فجأة تذكرت كتائب الأقصى أن هناك احتلالاً واعتداءات صهيونية، وأن التهدئة جريمة بحق الوطن وهي التي عاشت في سبات عسكري عدة سنوات وآثر ناطقوها الوهميون أصحاب الكنى المتعددة الاعتياش على بطولات القسام واختلاس جهدهم وخاصة في الضفة، حين كان القسام على مدار السنوات الماضية وحتى يوم إعلان التهدئة يعمل بصمت، وغيره يتبنى عملياته، ثم يتهم حماس بالنكوص والانشغال بالمناصب والكراسي عن الجهاد!


 


ولم يقف الأمر عند الأجنحة (العسكرية) المحسوبة على فتح في مهاجمة التهدئة بل تجاوزه إلى قادتها والناطقين باسمها وإعلامييها ممن بتنا نسمع منهم كلاماً عجيباً سواء في تحليلهم لدوافع التهدئة أو في مهاجمتهم لها، وإن كان طبيعياً أن يثير أي تفوق سياسي حمساوي الحنق والغيرة لدى الفتحاويين، فإن غير الطبيعي أن تتبارى الجموع الفتحاوية في ممارسة عملية إسقاط نفسية مكشوفة لمواقفها على سلوك حماس، وأن ترميها بمقارفاتها السيئة على صعيد التعامل مع المقاومة.


 


لن نقف هنا طويلاً عند حدود شرح الفرق الجلي بين تهدئة حماس وبين ما كانت تسعى قيادة فتح السياسية لتحقيقه من وقف للمقاومة وتصفيتها، فحماس حتى بعد موافقتها على التهدئة لم تخجل من القول إن الفترة القادمة ستكون لترتيب الصفوف والتقاط الأنفاس والإعداد لجولة جديدة من المواجهة يدرك أعداء وخصوم حماس قبل غيرهم أنها قادمة لا محالة، وأن حماس ستكون رأس حربتها والدرع الأكثر منعة وتحصيناً وحسن بلاء في مواجهة العدوان الصهيوني، بينما ستختفي حينها من المشهد كل أبواق المزايدة الرخيصة التي تنشط الآن، وستكون لزكريا الزبيدي – الممثل الحقيقي لـ (مقاومة) فتح والمعبر الأبرز عن أزمتها – كما لأبي قصي – صاحب بيانات الصواريخ الكيماوية والجرثومية الشهيرة – هوايات أكثر نجاعة وجدوى من ممارسة أي فعل مقاوم حقيقي حين يجد الجد!


 


ولن نستقصي كذلك كل أشكال المزايدات والسخافات التي طرحت على هامش التهدئة من قبيل اتهام وحدات المرابطين القسامية بأنها باتت تنتشر لمنع إطلاق الصواريخ على سيدروت رغم أن الصواريخ التي تم إطلاقها بعد التهدئة كانت قصيرة المدى والنفس وفيها دلالة واضحة على الفرق في طبيعة وحجم الفعل الجهادي حين يكون بأيدي المجاهدين الحقيقيين وليس بأيدي المنتسبين للمقاومة زوراً وبهتاناً ممن لا تتجاوز غايتهم الكيد لحماس أو الإثبات لمموليهم أنهم في الميدان ويؤدون واجبهم في المقاومة!


 


لكن أطرف ما طرح في سوق المزايدات هذا كان مطالبة السيد جبريل الرجوب – رئيس جهاز الأمن الوقائي في الضفة سابقاً ورئيس اتحاد كرة القدم حالياً – حماس بالصبر على شباب فتح لأنها كانت في السابق تخرب اتفاقات التهدئة التي كانت تعقدها فتح! وأحسب أننا لسنا بحاجة لنذكر السيد الرجوب وكل من يرددون مثل هذا الكلام أن حماس أعلنت منذ اليوم الأول للتهدئة أنها لن تتحول لشرطي يقمع المقاومة وكل ما في الأمر أنها تطالب مختلف الفصائل باحترام كلمتها التي توافقت عليها مع حماس، ومن جهة أخرى لسنا بحاجة لتذكيره أيضاً بطبيعة (الصبر) الذي أبدته فتح وتحديداً جهاز الأمن الوقائي على مقاومي حماس قديماً وحديثاً وبدون أن يكون هناك توافق وطني على اتفاق للتهدئة، وما مصير الشهيدين عماد وعادل عوض الله والمهندس محيي الدين الشريف وخلية صوريف، ومعتقلي سجن بيتونيا عنا ببعيد، وكذلك الدور الأمني المخزي الذي تمارسه أجهزة أمن فتح في الضفة، والتي كان آخر بطولاتها عملية ملاحقة ومحاصرة المجاهد علاء أبو الرب أحد عناصر سرايا القدس، ثم قيام وحدة صهيونية خاصة بنصب كمين له ومطاردته! ولست أدري كيف يجرؤ عاقل على مقارنة توافق وطني بخصوص تهدئة مشروطة ومحدودة المدة لا ينكر أحد حاجة المقاومة لها قبل كل شيء، مع جرائم التنسيق الأمني ودوريات ملاحقة المقاومة المشتركة وتسليم المقاومين لقوات الاحتلال أو اغتيالهم بالوكالة!


 


ثم ما دامت المقاومة مهمة لهذا الحد في عرف بعض الكتائب من فتح إلى اليسار صاحب الرصيد المقاوم الزهيد على الأرض فأين هي ساحة الضفة من فعلهم؟ ألا يستحي أباطرة الكتائب الفتحاوية من انتقاد التهدئة – حتى لو كانت مجانية – وهم الذين باعوا سلاحهم في الضفة جهراً ودون حياء مقابل الحصول على عفو صهيوني ووظيفة في أجهزة الأمن؟


 


المفارقة أن حماس الملاحقة صهيونياً وفتحاوياً في الضفة كانت هي الفصيل العسكري الأكثر حضوراً في الفعل المقاوم في السنوات الأخيرة وهو ما تثبته الحقائق يوماً بعد يوم مع الكشف عن كل خلية حمساوية مارست نشاطها في الضفة قبل تعرضها للاعتقال، ورغم ذلك فإن بعض الفصائل المجهرية لا تتورع عن الانتقاص منها، والتشكيك في نواياها فيما يخص التهدئة الأخيرة.


 


أما الزعم بأن حماس كانت تعمل على تخريب اتفاقات التهدئة السابقة فهذه حجة داحضة، ذلك أن أي اتفاق سابق تم بتوافق فصائلي كانت حماس تبدي حياله التزاماً كبيراً، وليس أدل على ذلك من تهدئة عام 2002 والتي تزامن مع الإعلان عنها إقدام الاحتلال على اغتيال قائد كتائب القسام في جنوب الضفة عبد الله القواسمة، ورغم ذلك فقد أجلت حماس عملية الرد على اغتياله حوالي شهرين حين سقطت التهدئة جراء تراكم الخروقات الصهيونية الكبيرة.


 


ومن البدهي القول إنه ليس متوقعاً لهذه التهدئة أيضاً أن تستمر طويلاً وهي قد تسقط أيضاً قبل بلوغ سقفها الزمني المتفق عليه، أو قد تعاجلها قوات الاحتلال بعملية اقتحام جزئية أو كلية للقطاع، وحينها ستكون حماس جاهزة للتعامل مع تلك التداعيات كما ينبغي وكما كان دأبها على الدوام، بل لسنا نبالغ إن قلنا إنها ستكون الفصيل المتفرد في أية مواجهة قادمة.


 


ولكن تخطئ الآن بعض الفصائل إن ظنت أنها بعملية عرض عضلاتها تلك وبذلك الأسلوب الكيدي المراهق ستفلح في الانتقاص من صورة حماس ومكانتها كحامية لمشروع المقاومة ورائدة فيه، وهي قبل كل شيء إنما تسيء لنفسها وتكشف بشكل جلي عن عمق أزمتها الوطنية وتجلياتها النفسية.


 


أما حماس فإن ريادتها لمشروع المقاومة كل هذه المدة ومراكمتها لإنجازاتها الجهادية وتطورها العسكري على مر السنين يؤهلها لأن تغدو أهلاً للثقة برؤيتها لاعتبارات التصعيد والتهدئة، والاطمئنان إلى سلامة مواقفها التكتيكية ونبل أهدافها، لكن نفوساً سليمة وعقولاً مدركة هي فقط من بمقدورها الإقرار بهذه الحقيقة بعيداً عن سوق المزايدات الحزبية والشعارات الفارغة والتصريحات السقيمة المدفوعة بالكيد أو الحسد أو تعمد التخريب لغايات هي أبعد ما تكون عن المصلحة الوطنية. 

مقالات ذات صلة