عين على العدو

إذا قامت الدولة الفلسطينية..

قد لا يختلف عاقلان على أننا مع النموذج الإسرائيلي بصدد قوى مسلحة أنشأت دولة. يتحدث الصهاينة ومناصروهم عن هذه الظاهرة من باب الزهو والفخار.. بينما يفترض أن يكون هذا التسلسل، الذي يعني أولوية ركن القوة العارية وسبقه على غيره من عناصر نهوض الدول وتبلورها، مدعاة للقلق. ذلك لأن السيرة الذاتية لقيام الدول وقعودها تشي بأن هذا الركن ينتمي إلى النسبي وغير الدائم ولا يشكل وحده في التحليل الأخير ضمانة للوجود والاستمرارية.


 


لا يتسع المقام لإيراد بعض الأمثلة الدالة على أن الكيانات التي أفرطت في الاعتماد على عامل القوة العسكرية، منذ عهد اسبرطة، قد آلت إلى الهوان أو حتى إلى الأفول والزوال.


 


بيد أن ما يشغلنا في هذا الإطار هو معاكسة البزوغ والتطور الكياني الفلسطيني للمثل الإسرائيلي إلى حد كبير، فالحالة الكيانية الفلسطينية وعلى الرغم من المعوقات التي لم تغب عن أفقها أبداً، تكاد تتبلور وترتقي بذات الأسلوب والمراحل التي مرت بها كيانات العالم الثالث ودول ما بعد الحقبة الاستعمارية. ولولا اختلاف النمط الاستعماري الذي تسعى هذه الحالة إلى التحرر من ربقته، لتطابقت أسس ومعالم نشوئها مع معظم هذه الكيانات.


 


وبيان ذلك، انه إذا ما قامت دولة فلسطينية في الأجل القريب أو المنظور نسبياً، فلن يملك أحد الادعاء بأنها جاءت نتاجاً لعنصر القوة المسلحة وغلبته على غيره من المقومات. هذا عدا أن هذه الدولة ربما خلت تماماً من ركن التجييش والتسلح، واعتمدت من الأصل على المكونات الاجتماعية والاقتصادية والسكانية المدنية مع القليل جداً من مفردات القوة التي تتعلق بضمان الأمن الداخلي.


 


بكلام آخر، فإنه في حال قيام الدولة الفلسطينية، لن يقال إنها إنما تمخضت جوهرياً عن تفوق الفلسطينيين عسكرياً، كما لن يقال إن وجودها أو غيابها عن الخريطة الإقليمية والدولية مرتبط عضوياً أو شرطياً بهذا التفوق. ولا شك أن مثل هذه الأقوال أو الاعتقادات تبقى في حكم المستحيلات بالنسبة ل”إسرائيل”، التي ينعقد الإجماع داخلها وخارجها على اقترانها وجوبياً بالعسكرة والتجييش ولوازم القوة المسلحة قبل أي شروط أو مقومات أخرى.


 


العسكرة والعنف في الحالة الفلسطينية ليسا أكثر من وسيلة يمكن التخلي عنها إذا ما تحققت الغاية وهي الدولة المستقلة. أما بالنسبة للحالة الصهيونية فالأمر مختلف على طول الخط.. إذ أن قيام الدولة لم يضع حداً لا للعسكرة ولا للعنف، بل إنه أدى إلى ازدياد الاعتماد عليهما وتمددهما.

مقالات ذات صلة