الأمن المجتمعي

مدرسة الأمن القومي الفلسطيني

المجد – خاص

للأمن القومي مفهومان، أحدهما ضيق، يركز على حماية الوطن وكيان الدولة ومواردها من الأخطار الخارجية. فيما يمتد الثاني إلى الجبهة الداخلية وحماية هوية المجتمع وقيمه، ويؤمّن المواطن ضد الخوف والفاقة، ويضمن له حدًا أدنى من الرفاهية والمشاركة السياسية. وفي كل الأحوال فإن الأمن الحقيقي للدولة يرتكز أساساً على معرفتها للمصادر التي تهدّد مختلف قدراتها لمواجهتها؛ لإعطاء الفرصة لتنمية تلك القدرات تنمية حقيقية في المجالات كافة، سواء في الحاضر أو المستقبل.

وتختلف الدول في عقيدتها لمفهوم الأمن القومي، وينعكس ذلك على المدرسة الأمنية التي تنتهجها؛ فبعضها يرى أن الإمكانات العسكرية هي العامل الأساس في بناء القدرة وتحقيق الأمن، ويرى هؤلاء أن الأمن يرادف القوة العسكرية، ويرتبط بها ارتباطاً وثيقاً؛ ما يجعل الأمة قادرة على ردع أي هجوم مسلح أو دحره. وقد كان هذا المفهوم سائداً حتى الحرب العالمية الثانية، ثم تطور ليمزج بين القدرة العسكرية والسياسية من خلال تطبيق مفهوم الردع والتركيز على أهمية السياسة والدبلوماسية، وتطوير العلاقات الدولية.

كما أن العقيدة العسكرية للأمن القومي، سواء كانت ممزوجة بالسياسة أو قائمة بذاتها، ترتبط بشكل وثيق بالدول التي تمتلك مقدّرات ضخمة تمكّنها من إعداد القوة العسكرية الملائمة، أو أنها ستتعرض بشكل متواصل لتهديدات عسكرية خارجية من دول قريبة، تفرض عليها امتلاك تلك القوة، أو بناء تحالفات تسهم في ضمان أمنها؛ لذلك فإن معظم الدول في العالم، خصوصاً تلك التي لا تقع في بؤر التوتر والصراعات، تتجه إلى تبني عقيدة أكثر تطوراً للأمن القومي، وتنظر بشكل أشمل إلى المهددات التي تتعرض لها، فهي إلى جانب إيمانها بأن مصادر التهديد تكون داخلية وخارجية، فإنها تعتقد أن مواجهة تلك التهديدات تحتاج إلى تكاتف كل الجهود واستخدام كل الطاقات والمقدرات، من أجل التنمية السياسية والاجتماعية والعسكرية والاقتصادية وغيرها. وترى أن التنمية واحدة من العناصر الأساسية للاستقرار والتقدم الاجتماعي والإنساني، وهي عبارة عن عملية تقدم ونمو تكون بشكل جزئي أو شامل باستمرار، تتفاوت في أشكالها، وتركز على تحقيق الرقي والتقدم في مجالات الحياة الإنسانية، والمضي قدماً بالإنسان نحو الاستقرار المعيشي والرفاهية، وتلبية متطلباته بكل ما يتماشى مع احتياجاته وإمكاناته في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية.

يبدو أن مدارس الأمن القومي التي أشرنا إليها: (العسكرية، والعسكرية السياسية، والتنموية)، ليست صالحة للمجتمعات الواقعة تحت الاحتلال، التي تقودها حركات تحرر وطني، مثلما هو الحال في حالتنا الفلسطينية. فمهما امتلكت حركات المقاومة الفلسطينية من قدرات عسكرية، رغم أهمية ذلك وضرورته، فإنها لا تقارن بالقدرة العسكرية التي يمتلكها الاحتلال الإسرائيلي، ولا يُعتقد أن تكفي لتحقيق الأمن القومي الفلسطيني من المهددات الداخلية أو تلك التي يفرضها الاحتلال.

وإذا مزجنا الأداء السياسي والدبلوماسي والعلاقات الدولية، إلى جانب القدرة العسكرية، فهذا لا يكفي أيضاً، خصوصاً في ظل اختلال موازين القوى، والانحياز التام لإسرائيل من الدول المؤثرة في العالم، وما نعيشه هذه الأيام خير دليل على ذلك.

أما التنمية، رغم أهميتها، فهي وصفة غير كافية لتحقيق الأمن القومي الفلسطيني، لأنها – من حيث المبدأ – لا تصلح مع الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، الذي من خصائصه حرمان الشعوب المحتلة من تقرير مصيرها، أو امتلاك إرادتها السياسية، أو تنمية قدراتها. ويقف الاحتلال الإسرائيلي في مقدمة الاحتلالات في هذا الشأن، وخير دليل على ذلك ما فعله الاحتلال في غزة من حصار وقتل وتدمير للبنى التحتية والمصانع والمرافق الحيوية خلال عدوانه المتكرر.

إن المدرسة الأنسب للحالة الفلسطينية هي المدرسة الاجتماعية، التي تجعل تماسك الجبهة الداخلية أساساً لتحقيق الأمن القومي، من خلال حفظ قيم المجتمع وثقافته وفاعليته، وترتيب قائمة خصومه وأعدائه ليكون الاحتلال الإسرائيلي في أوّلها. وقائمة الأصدقاء والأعوان ليكون الفلسطيني مهما اختلفنا معه في مقدمتها، بحيث يصبح الانتماء الديني والوطني حصناً يقي المجتمع من مصارع الخلافات السياسية. ولا يتعارض مع هذه المدرسة أن يجتهد الفلسطينيون في تعزيز قدرتهم العسكرية وامتلاك نواصيها، وإعداد ما استطاعوا من قوة السلاح والعتاد والرجال، والاجتهاد في التنمية واستدامتها في كل جوانبها، إلى جانب مدّ الجسور مع الدول والهيئات والجماعات في علاقات سياسية متوازنة، تقوم على احترام حق الفلسطينيين في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة.

إن حالة الانقسام التي شهدها المجتمع الفلسطيني قبل نحو عشرة أعوام، تركت ظلالها على الواقع الفلسطيني في جوانبه كافة، سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وأمنية، وأصبحت من أخطر المهددات للأمن القومي الفلسطيني، حتى لم يعد ممكناً تحقيق الأمن القومي دون أن تنتهي هذه الحالة بلا رجعة.

دونما شك، فإن كل طرف من طرفي الانقسام يرى أنه على صواب، وأن الطرف الآخر هو العقبة الرئيسة أمام إنهائه، وإعادة اللحمة إلى الواقع الفلسطيني. وحتى لا نكثر الجدل حول هذه النقطة، فإن طرفي الانقسام كليهما، وبقدر حرص كل منهما على المصلحة الوطنية، ملزم أن يعطي مزيداً من المرونة، حتى لو كان ذلك على حساب بعض قناعاته التي لا تمس بالمصلحة الوطنية، وأن يعمل كل طرف وفق قواعد الموازنة بين المصالح والمفاسد، دون أن يتمسك أحد الطرفين بمصلحة حزبية أو حتى وطنية مقابل خسارة مصلحة وطنية أكبر منها.

وقبل ذلك كله، فإن على الأطراف جميعها أن تحذر أي سلوك من شأنه أن يزيد من حالة الانقسام، وضعف تماسك الجبهة الداخلية، وأن يجنّب كل منهما الجماهير والمؤسسات والهيئات من الدخول في خلافاتهما طمعاً في مكسب سياسي مؤقت.

إن الحالة التي وصلت إليها الجماهير بفعل التجاذبات بين طرفي الخصام، هي الأسوأ منذ عقود طويلة، وأنا هنا لا أقصد الحالة المعيشية، فهي رغم أهميتها ليست غريبة عن الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، لكن الذي أقصده هو انخفاض مستوى الانتماء الوطني عند شريحة واسعة من الفلسطينيين، وهي خسارة كبيرة قد يمتد تأثيرها على الأمن القومي الفلسطيني سنوات طويلة، ما لم يستدرك طرفا الخصام.

مقالات ذات صلة