عين على العدو

عن التهدئة ومصر وشاليط مرة أخرى

يوجّه مسؤولو حركة حماس انتقاداتهم إلى الطرف الإسرائيلي، على أمل إسماع “الشقيق” المصري الذي لا يسعفهم بمساعدة حقيقية تخفف أعباء الحصار الذي يثقل كاهل الناس في القطاع، بقدر ما يلقي عليهم المزيد من الأعباء عبر جملة من المواقف والتصريحات والضغوط، بل وحتى اللعب على التناقضات.


 


نص البند الثالث من اتفاق التهدئة الذي وقع في القاهرة على أن يتم التنفيذ “بالتوافق مع مصر وفي ظل رعايتها”، والبند الرابع على فتح المعابر بشكل جزئي خلال الساعات التالية، والخامس أن تعمل مصر على نقلها (التهدئة) إلى الضفة الغربية، أما السادس فينص على استضافة مصر في الأسبوع التالي لقاء يضم السلطة وحماس والجانب الأوروبي “من أجل مناقشة آليات فتح معبر رفح”.


 


وفي حين فتح الإسرائيليون المعابر جزئياً ثم عادوا إلى إغلاقها تحت حجج واهية، فقد تبين أن القضية لون من الابتزاز تتعلق بصفقة الجندي شاليط، والتي يضغط الإسرائيليون، ومعهم المصريون للأسف من أجل إنهائها بثمن بخس لا يشمل الإفراج عن أي من أصحاب الأحكام الكبيرة.



هكذا لا تتوقف لعبة الابتزاز عند حدود المماطلة الإسرائيلية في فتح المعابر التجارية التي ما زالت تضخ النزر اليسير من المواد الضرورية، ربما أقل مما كان عليه الحال قبل اتفاق التهدئة، بل يضيف إليه تجاهلاً مصرياً كاملاً للقاء الذي سيناقش قضية معبر رفح على رغم مرور أكثر من أسبوعين على التهدئة، وليس أسبوعاً واحداً فقط.


 


هكذا يشعر الفلسطينيون بالكثير من الحزن حيال هذا السلوك المصري الذي لا يلقي بالاً لمعاناتهم من جهة، باستثناء حد من التنفيس يحول دون انفجار كبير كالذي وقع قبل شهور، لكنه يضيف أشكالاً أخرى من الضغوط، وليس سراً أن ثمة معتقلين لحركة حماس في السجون المصرية، الأمر الذي يشكل ممارسة غير مسبوقة في التعاطي مع المقاومة الفلسطينية. وحين ثار بعض الفلسطينيين بشكل عفوي على معبر رفح قبل أيام، ووجهوا بخراطيم المياه، معطوفة على سيل من التحذيرات الساخنة من التورط في انتهاك السيادة المصرية، والحال أن من يعتقل المجاهدين لن يكون حريصاً على صفقة تفرج عن إخوانهم الذي يكدسهم المحتل في سجونه، على رغم ما تعنيه تلك الصفقة من فتح بارقة أمل للآلاف من خيرة أبناء الشعب الفلسطيني.


 


لو كانت القاهرة تمارس دوراً ضاغطاً على الإسرائيليين لما كان الحال على هذه الشاكلة، بل إن كثيرين يعتقدون أن وساطة محايدة لا صلة لها بنوايا الضغط على خصم سياسي يراد إفشاله يمكن أن تؤدي إلى نتائج أفضل بكثير من النتائج الحالية، ولكن الهدف القائم هو الإفراج عن الجندي مقابل فتح المعبر مع عدد محدود من الأسرى لا يضم أياً من أصحاب المؤبدات، ولعل ذلك هو ما دفع بعض المحسوبين على حماس إلى المطالبة بنزع ملف الوساطة بشأن الجندي من مصر ومنحه لإحدى الدول الأوروبية. أما الأسوأ من ذلك فهو اللعب على الداخل الحمساوي في سياق من الاعتقاد بأن بعض قادة حماس في غزة مهجوسون بالحصار أكثر من أي شيء آخر.


 


واقع مؤلم يعيشه الفلسطينيون الذين يحتاجون الإسناد العربي في مواجهة الغطرسة الإسرائيلية، لكنهم لا يجدون غير الخذلان، الأمر الذي لم يكن حكراً على التعاطي مع حماس، بل توفر قبل ذلك، وما تمرير الاتفاق البائس الخاص بمعبر رفح قبل خمس سنوات سوى دليل على ذلك.


 


حماس في مأزق منذ الانتخابات إلى الآن، لكن الآخرين ليسوا أفضل حالاً، وهي تمكنت من الصمود رغم الحصار، الأمر الذي لم يكن ليحدث لولا قناعة الجماهير بأن ما يجري ليس ذنبها، وأنها تجاهد لتغييره حتى لو لم تحقق النتيجة المطلوبة.


 


إنه مأزق القضية برمتها، مأزق مسار أوسلو الذي غيّر وجه الصراع ومنح الإسرائيليين هذا الاحتلال الفاخر الذي طالما حلموا به منذ عقود، وبالطبع عبر سلطة اعتقد بعض الطيبين مع الأسف بإمكانية خدمتها للمصلحة الفلسطينية، فضلاً عن جعلها واحة للديمقراطية.

مقالات ذات صلة