عين على العدو

“حماس” ولحظة الحساب السياسي

على عكس التوقعات، ورغم أعمال الانتقام والإجرام الإسرائيلية، صمد اتفاق “التهدئة” بين “حماس” و”إسرائيل”. والأعجب أن بعض الأصوات بدأت تعلو من داخل “حماس” تدعو لأفكار وطروحات غير تقليدية بالنسبة لهذه الحركة… أفكار وطروحات “سياسية” بامتياز. وربما يرجع الفضل لكثرة هذه الأصوات غير المعروفة لدفع “حماس” لاستئناف المفاوضات مع “فتح” وفي وجه حملة عاصفة على الشبكة الإليكترونية وبقية منابر الرأي المفضلة للتيار المتشدد من الحركة الإسلامية خارج فلسطين وداخلها. فهل وصلت “حماس” إلى “لحظة الإضاءة” أو لحظة التأمل والمراجعة؟


 


البعض قد يعترض على السؤال بذرائع متناقضة. فهناك “من يفضلها هكذا”: حركة بدون فكر سياسي أو حركة أقرب للطهرانية تحاول المشي على طريق السلف من المجاهدين الأوائل دون تهدئة أو هدنة أو صلح أو دعوات للسياسة!


 


البعض الآخر يرى في الأمر خطأ كبيراً. التيار الأول يقارن “التهدئة” بصلح الحديبية… ويذهب للقول بأن الرسول الكريم كان “عقلاً سياسياً” بامتياز… ولولا ذلك لتعرضت الرسالة لمحن أشد وأعظم ولربما لم تكن لتنتشر بالصورة التي نعرفها لو لم يفهم السلف الأول أهمية السياسة.


 


يقيم علم الاجتماع الفرنسي تمييزاً مهما بين الحركات الدينية الصرفة من ناحية والحركات السياسية الدينية من ناحية أخرى. وربما كان الأقرب للصواب هو تصنيف “حماس” بين الحركات الأولى أي ذات الطابع الديني الصرف تقريباً، لولا أن “أجندة” التحرير هي محركها الأول والأخير.


 


لكني شخصياً أشك في سلامة هذا التمييز. فلا توجد حركات دينية صرف، بما في ذلك الدعوة الدينية المؤسسة أو الأصلية. كل الحركات توجد في فضاء السياسة وتتصرف على نحو أو آخر برؤية سياسية. والفارق هو بين حركات متطرفة تستهدف قطيعة كاملة ومطلقة مع الواقع، وحركات معتدلة تتفاعل مع الواقع سلباً وإيجاباً. وإن لم يكن الواقع يعطي بعض الأسانيد والأدلة والمفاتيح للتغيير الشامل والكامل، فالحركات الأولى تباد وتختفي من مجال السياسة وتصبح أثراً أو حكايةً أو أسطورةً.


 


وجميع الحركات الدينية والأيديولوجية تبدأ بمشروع جذري أو طهراني ثم تبدأ في التعامل مع الواقع عندما تنمو وتكبر وتجرب وتصطدم وتدفع ثمناً كبيراً للبراءة أو السذاجة أو الجهل والغباء السياسي! وثمة لحظة معينة تتحتم فيها المراجعة وتفرض نفسها في مسار الحركات الأيديولوجية جميعاً فتأخذ بضروراتها وإملاءاتها أو تفوتها فتتحول إلى دعوة يوتوبية أو إلى حركة عنفوية شديدة أي إرهابية وقد تدخل معارك طاحنة تباد فيها… إلخ.


 


وهذا ما يحدث أيضاً في المسرح الدرامي منذ أيام الإغريق. تنمو “عقدة” المسرحية حتى تفرض “لحظة التنوير” نفسها فتتكشف المفارقة وتلقي ضوءاً باهراً على جميع أوجه الفعل المسرحي أو الاختيار الدرامي وتأخذ المسرحية مساراً آخر أكثر تركيزاً ووضوحاً بعد الاكتشاف أو الكشف. وربما يعترض البعض عن حق على تسمية هذه اللحظة “التنوير” لأن في ذلك حكماً قيمياً بينما المعنى المقصود هو الإضاءة القوية التي تكثف حالة الاختيار وتجعله ضرورياً.


 


وهذا المعنى يختلف تماماً عما يسمى في السياسة أو علم الصراع بـ”لحظة الانكسار”. الأخيرة هي لحظة مميزة في مسار صراعي. والصراع هو تحد بين إرادات تساندها قدرات. وعند لحظة معينة يتضح تماماً من الأقوى أو من قد يكسب المعركة فيختار الطرف الأضعف أن ينسحب مبكراً لينقذ ما قد يتبقى من قدراته ويدخر مساعيه وأهدافه لوقت أو مساق أو مسار آخر في المستقبل. البديل قد يكون القبول بالفناء الكامل في أسوأ الأحوال أو الاستشهاد الجماعي أو قد يكون هزيمة كبيرة أو التعرض لنكسة ماحقة. ولحظة الوعي بضرورة القيام باختيار بين الانسحاب والتفاوض من ناحية أو الاستمرار في التحدي ولو بثمن الفناء أو الهزيمة أو النكسة، هو ما يسمى بلحظة الانكسار.


 


لحظة الإضاءة ليست بالضرورة هي ذاتها لحظة الانكسار. الأولى تجسد دراما الاختيار عامة ولو في ملحمة ليس فيها صراع بل تداع للاختيار الحر الذي تفرضه قوانين الكون وأساطير الدنيا. الثانية تتطلب حسابات دقيقة تحتمها السياسة أو الوعي بالسياسة. الأولى أقرب لأن تكون شخصية وإنسانية للغاية وغالباً نهائية. الثانية أقرب إلى المجال العام ويتعلق بها مستقبل جماعات وأمم وحضارات.


 


وبوجه عام، أعتقد أن “حماس” صارت بالفعل أمام لحظة إضاءة كثيفة للغاية. والمطروح حالياً هو مراجعة حسابات خاطئة أو الدخول لمعترك السياسة بصورة فاهمة ومتفهمة، وليس بالطريقة التي تتصرف بها “طالبان” أو “القاعدة”. الحركتان الأخيرتان هما في الواقع حركتان يائستان ولا أمل أبدأ في أن تنتصرا وتظفرا بالمعارك التي دخلتاها، وذلك بغض النظر عن الحكم عليهما بالصواب والخطأ. “حماس” لا تملك رفاهية الفعل اليائس، وعليها أن تبقى كتيار بين تيارات حركة التحرير الفلسطينية. فالدافع والإلهام الديني يظل بالغ الأهمية في مناهضة الاحتلال، والأهم في رأيي مقاومة الانحراف الأخلاقي والسياسي في حركة التحرير الفلسطينية. ولكي تستمر فهي تحتاج للسياسة والحساب السياسي.


 


وبكل أسف فآخر ما كانت “حماس” تهتم به هو الحساب السياسي والاستراتيجي الدقيق. الآن يفرض عليها الواقع مراجعة مواقفها وفهم ضرورة مواءمة مواقفها وتكتيكاتها مع معطيات الواقع، لتعتمد على أفضل ما فيه وتتجنب أسوأ مظاهره ومضاعفاته.


 


تدفع في هذا الاتجاه جملة من معطيات الواقع. وقد يكون أول هذه المعطيات أولوية إنهاء الحصار المفروض على غزة. فهو افتراس جماعي تصعب أو تكاد تستحيل مواجهته. وقد سقطت كل السيناريوهات التي استهدفت كسر الحصار بدون مفاوضات أو تهدئة، وباتت التهدئة ذاتها شرطاً أساسياً لاستمرار الحياة في غزة.


 


وهناك بكل تأكيد المفاجأة أو الصدمة التي مثلها إعلان استئناف المفاوضات بين سوريا و”إسرائيل” بوساطة تركية. وقد تمهد هذه المفاوضات لصدمة أعظم وأكبر لا يمكن تقدير مداها، لكنها قد تتسع لأي شيء؛ من تطبيق سيناريو السادات على الأسد أو نموذج كامب ديفيد على سوريا وصولاً إلى تفكك التحالف الاستراتيجي بين سوريا وإيران وهما أهم حليفين لـ”حماس” على المستوى الإقليمي.


 


ثم إن هناك الموقف المصري الصادم بدوره، والذي أوغل في تمتين علاقاته ب”إسرائيل” على حساب الشعب الفلسطيني. فتطبيق مصر للحصار بإغلاق معبر رفح هو الآلية الحقيقية والأشد قسوة للحصار.


 


وأخيراً هناك احتمالات الحرب الأهلية التي قد تشتعل ما أن يعلن عن بداية اتفاق ما بين سلطة أبو مازن في رام الله من ناحية و”إسرائيل” من ناحية أخرى.


 


لحظة إضاءة قوية إلى حد قد يعشي العين. لكن الأمل هو أن تحتفظ “حماس” بقوة البصر والبصيرة فتجمع بين الواقعية السياسية والطموح لإنجاز وطني كبير والثقة غير المحدودة بأن المستقبل سيكون للشعب الفلسطيني.

مقالات ذات صلة