الأمن المجتمعي

التنظيمات الوهمية: حين يتقمص رجل “الشاباك” دور المقاوم (الجزء الثاني)

المجد – وكالات

في الجزء الأول من التحقيق تبين أنها سياسة انتهجها جهاز الأمن الصهيوني العام "الشاباك" منذ مطلع سبعينات القرن الماضي لاستدراج الخلايا المقاومة والإيقاع بالشباب المندفع لتنفيذ أعمال ضد الاحتلال، واستعرض التقرير أهداف جهاز "الشاباك" من إنشاء تنظيمٍ وهمي وآلية استقطاب العنصر الأول والأساسي فيه.

ما أبرز  خطوات التواصل والعمل التي ينتهجها "الشاباك" في متابعته للخلية أو التنظيم الوهمي؟

يتم في البداية الاتفاق مع الشخص على السرية التامة، (لضمان عدم كشف الخدعة)، وأحياناً يطلب منه القسم على المصحف الشريف بعدم البوح حتى لأقرب الناس إليه، ثم يقوم رجل "الشاباك" بتكليفه بمهام تتدرج من البساطة للتعقيد حتى يتأكد من التزام الشخص بالتعليمات، مثل اختيار نقاط ميتة، إرسال رسائل وتلقي رسائل، التواصل مع بعض الحسابات الالكترونية، جمع معلومات عن شباب متحمسين أو أشخاص مشبوهين، ولاحقاً يتم الإيعاز له بتشكيل خلية، وأحياناً عدة خلايا في مناطق مختلفة وربطها ببعض، وكلما ازداد عدد الشبان المنضمين للتنظيم ازدادت الثقة به وأصبح مرجعاً للمقاومة في منطقته.

أحد الأسرى المحررين، أشار إلى اكتشاف أكثر من 150 شخصاً يعملون في تنظيم وهمي دون معرفتهم، في محافظة واحدة، وذلك عام 1995.. فكيف سيكون الحال عام 2018 في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعية؟؟

خلال كل هذه العملية يتم الحفاظ على السرية، وآلية التواصل بالنقاط الميتة، ويتم إعطائهم تدريبات بسيطة على استخدام السلاح، وبعض التكتيكات العسكرية.

هل صحيح أن التنظيمات الوهمية لا تعتمد العمل العسكري وإنما مجرد الاستدراج فقط، ثم إيقاع الضحية في فخ واعتقاله؟

الهدف الأساسي للتنظيم هو احتواء العمل المقاوم من التمدد والانتشار والقضاء على المقاومين باعتقالهم أو تصفيتهم، لذلك يقوم رجل "الشاباك" بالرد على إلحاح الشبان وتحمسهم للعمل المقاوم بمبررات مختلفة منها صعوبة الحصول على أهداف مناسبة أو أن الوقت غير مناسب الآن أو أن القيادة لها ترتيبات خاصة للعمل ويجب انتظارها.

وإذا ما واجه رجل "الشاباك" إصراراً على تنفيذ عملٍ مقاوم، فإنه يقوم بتوجيه الشبان لعمل غير مؤثر مثل هدف وهمي، أو يزوده بعبوات تفجير لا تعمل أو يقوم بتصفيته قبل وصوله للهدف، سواء بإعداد سيارة مفخخة تنفجر فيه كما حصل مع شابين مطاردين في قباطية عام 1995 أو كما حصل مع شابين آخرين من بيت لحم في العام نفسه تم إطلاق النار عليهما قبل وصولهما للهدف، وقد يقوم أحياناً باعتقاله قبل سويعات من مهمته أو في المراحل الأخيرة من وجوده في التنظيم الوهمي وبعد استنزافه واستغلال جهده لصالح "الشاباك".

كيف بالإمكان التفرقة والتمييز بين التنظيم الفعلي الصادق والتنظيم الوهمي التابع للمخابرات؟

يجيب عن هذا السؤال المحلل ساري عرابي بالقول إن تمييز التنظيم الوهمي من الحقيقي يلزمه قدر من الثقافة والحدس والذكاء، والواجب ألا يتعامل الشاب مع من لا يعرفه، وألا يستجيب للطلبات الغريبة لكن المشكلة في حال كان عنصر التنظيم الوهمي من المعارف وكان مغرراً به أو مخترقًا، وعمومًا لا ينبغي الركون إلى ذكاء الشباب وحدسهم، وينبغي توسيع دائرة التثقيف تجاه هذا الأسلوب.

أما الأسير المحرر أبو المجد، فيرى أن أفضل طريقة لعدم الوقوع في حبائل التنظيمات الوهمية هي التمتع بحس عالي من اليقظة والفراسة وعدم إعطاء الثقة لأي شخص مهما كان إلا إذا توفرت قرائن دامغة لا مجال للشك فيها تعزز من ثقته وأمانته، مع التريث قدر المستطاع في التعامل مع هذا الموضوع وعدم التسرع.

وينصح "أبو المجد" في حالة اكتشف المرء بأنه يتعامل مع تنظيم وهمي، هو عدم قيامه بإشعار من يتعامل معهم بذلك علانية، سواء من خلال الرسائل أو الهاتف المحمول أو وسيط أو ما شابه، فهذا الاكتشاف سيصل في النهاية إلى المخابرات وعندها سيقومون بتصفية الشخص فوراً،  كما حصل مع الشهيد "إبراهيم ياغي" -رحمه الله- فبعد أن اكتشف أن التنظيم الذي يتعامل معه وهمي وتابع للمخابرات، أخذ يتصل بالأفراد الذين نظمهم فرداً فرداً وأبلغهم على الهاتف بأنه تم خداعه وأن من يتعامل معهم من "الشاباك"، فما كان من الاحتلال إلا أن قام بإرسال قواته الخاصة إلى مخيم عقبة جبر واغتيال الشهيد داخل المخيم.

ماذا بإمكان الشباب فعله حين يكتشف أنه وقع ضحية لتنظيم وهمي؟

من أهم الأمور التي يتحتم على الشباب (شبان وشابات) فعلها عدم إخفاء الحقيقة، وإبلاغ من حوله من أقارب أو أخوة يثق بهم (الثقة الشديدة هي الأساس)، من أجل أخذ النصح في طريقة التعامل مع تلك الكارثة، وكل حالة بالطبع تختلف عن الأخرى وتعتمد على حجم التورط  داخل تلك التنظيمات، فمثلاً من وصل لمرحلة إعداد وتدريب وتجنيد، ليس كمن هو في المراحل الأولى، و يضيف "أبو المجد" أن الأهم من ذلك كله أن يتم إخبار المجموعة بشكل سريع وعدم إخفاء الأمر عليهم حتى يتم إيقاف أي عمل أو مخطط قيد التنفيذ، والاتفاق على خطة مدروسة للانسحاب بشكل هادئ، من خلال التحجج بالظروف والأحوال لإنهاء التواصل والعمل.

رغم ذلك،  يشير الأسير المحرر "أ. و" أن في أغلب الحالات المسجلة يتم كشف التنظيمات الوهمية عند لحظة الصفر، أي أن "الشاباك"  يصبر على الخلية حتى ينتقي من لديه القابلية للعمل والتنفيذ منهم، وفي هذه الحالة يتم التعامل مع كل شخص داخل التنظيم الوهمي على حدة، وذلك بناء على تقييمه وآرائه بالعمل المقاوم وإلى أي مدى من الممكن أن يقوم بالعمل العسكري، ناهيك عن أن  المخابرات قد تهدف لتوريط القابلين للعمل المقاوم بشكل كبير؛ لضمان اعتقالهم لأكبر مدة ممكنة، لذلك تحاول دائماً إيصالهم لأبعد مدى ممكن، حتى اللحظة التي يقولون فيها: "لا أستطيع، ظروفي لا تسمح لي، من الصعب علي تنفيذ ذلك"، حينها تكون مهمته قد انتهت بالنسبة للشاباك ويتم اعتقاله.

ويشير الأسير المحرر "ف. ب" إلى أن المخابرات الصهيونية قلما تكشف للمعتقلين أنهم ضحايا لتنظيم وهمي، بل يتم محاكمتهم باعتبارهم ساندوا المقاومة وقدموا لها خدمات ودعم لوجستي أو ساهموا في الحشد لها، ولكن من خلال تداول التفاصيل مع الثقات من القيادات المقاومة بالإمكان اكتشاف أن مسؤول الخلية ليس شخصاً متعارفاً عليه أو أن الحساب الالكتروني المستخدم للتواصل ليس تابعاً للمقاومة أو أن التنظيمات في السجون لم تراسل أحداً في الخارج، وبالتالي يظهر أن من يقف وراء ذلك هم رجال الشاباك.

ما درجة نجاعة التنظيمات الوهمية في اجتذاب الشباب الفلسطيني لمصيدة الاعتقال؟

يشير الكاتب ساري عرابي، إلى أن غياب التنظيمات الفلسطينية وانعدام عملها على الأرض يساهم في ازدياد نجاح التنظيمات الوهمية وقدرتها على الانتشار والتغلغل بين الشباب، فالتنظيم هو الحاضنة الطبيعية للتعبئة النضالية والتثقيف الأمني، كما أن تزايد الانتهاكات الصهيونية بحق الفلسطينيين تدفعهم لمحاولة الرد عليها بمختلف الوسائل والتجاوب مع أي جهة تدعو لهذا الرد، وفي هذه الحالة يكون من السهل اصطياد الشبان الفلسطيني.

وعلى الصعيد نفسه يشير الأسير المحرر "ف. ب" إلى أن قدرة الشاباك على اختراق التنظيمات في الميدان وتخطيط تنظيمات وهمية ازدادت بتزايد الاعتقالات في صفوف الناشطين والاستفادة من الاعترافات في معرفة آلية التعامل الحقيقية للتنظيمات واكتشاف كافة الثغرات وخطوط التواصل وهو ما يجعل انتشارها سريعاً لأنها تشبه التنظيمات الحقيقية لدرجة كبيرة.

نماذج لشباب فلسطيني وقع في فخ التنظيمات الوهمية

أحد الشباب تم التواصل معه من خلال حساب الالكتروني لأحد أصدقائه المبعدين عن الوطن، في بداية التواصل ظن أن صديقه ورفيقه السابق في الأسر هو من يتواصل معه ولم يشك أبداً بالجهة التي تراسله، خاصةً أن الطرف الآخر بدا كأنه يعرفه جيداً ويعرف الأصدقاء والمعارف المشتركين، لاحقاً اكتشف صاحب الحساب الأصلي أن حسابه مخترق، ويتم استخدامه في الأوقات التي لا يتواجد فيها، فيتواصل "الشاباك" مع أصدقائه ويقوم بإرسال الرسائل، ويطلب خدمات تبدو عادية مثل تسليم ورقة لشخص واستلام مبلغ مالي من آخر، ومن ثم  يتم حذف الرسائل قبل أن يعيد الشخص فتح حسابه.

فتاة تم التواصل معها من قبل حساب الكتروني لشخصية قيادية في غزة (حساب وهمي)، وبعد استطلاع رغبتها في العمل ونصرة الانتفاضة، تم الإشارة لها بإحضار أسماء 10 من رفيقاتها على استعداد للعمل المقاوم، ومن ثم تحديد نقاط ميتة في منطقتها، وحين شعرت الفتاة بأن الوضع غير مريح واعتذرت تم اعتقالها في اليوم التالي.

شاب تم التواصل معه أثناء اعتقاله في سجون الاحتلال من قبل شخص قدم نفسه باعتباره قائدا تنظيمياً، وذا تاريخ نضالي وسجل عسكري، انبهر الشاب بشخصية القائد وتواضعه وكرمه، واستجاب لطلبه باستمرار التواصل بعد الإفراج عنه، بعد أشهر أوصل له شخص مجهول الهوية رسالة إلى المكان الذي يعمل فيه، يبلغه فيها أن القائد ينوي القيام بعمل مقاوم ضد الاحتلال ولكنه بحاجة لبعض الشباب المستعد للتضحية والعمل المقاوم، على أن يضع القائمة في نقطة ميتة ثم يعود إلى نقطة ميتة أخرى بعد شهر لاستلام المزيد من التعليمات.

وهو ما تم، حيث جند الشاب أربعةً من رفاقه واتفقوا على انتظار الخطوة القادمة للبدء بالعمل، وحين ذهب إلى النقطة الميتة الأخيرة وجد رسالة فيها تعليمات عن الهدف وبجانبها قطعة سلاح، في طريق عودة الشخص إلى منزله صادفه حاجز طيار، تم محاصرة سيارته واعتقاله، وفي اليوم ذاته اعتقل رفاقه الأربعة، لم يعلم الشاب أنه كان يعمل لتنظيمٍ وهمي إلا حينما روى قصته لأحد القيادات الثقة في السجن، واتضح لاحقاً أن "القائد المتواضع" لا وجود له في التنظيم بأكمله، وأنه اسم مستعار لأحد رجال المخابرات.

فتاة متحمسة، أثناء عودتها إلى منزلها ليلاً قام شاب ملثم برمي رسالة مغلقة أمامها ثم ذهب بسرعة، عندما فتحت الرسالة وجدت بها عرضاً للعمل مع المقاومة، على أن يكون اللقاء الأول في مكانٍ محدد "قريب من بلدتها، ومن مستوطنة صهيونية قريبة" (تختار المخابرات مكاناً مناسباً لها بإمكانها توفير الحماية لرجالها فيه)، وحين ذهبت إلى الموعد لم تجد أحداً، فبدأت تشك بالأمر، ومن ثم توجهت إلى أحد الشباب الثقات في الجامعة وأخبرته بالأمر وبعد التحقق تبين أن "الشاباك" من يقف وراء الأمر.

فتاتان تبلغان من العمر 18 عاماً،  تملكهما الحماس لتنفيذ عمل مقاوم، ونتيجةً لكثرة حديثهما عن الموضوع مع صديقاتهما ومعارفهما، وصل الأمر للمخابرات الصهيونية، وأثناء مغادرتهما للمدرسة مرت من جانبهما امرأة وطلبت منهما استلام رسالة موجهة لهما، "خاطبتهما بالاسم"، وفي الرسالة إعلان موافقة على رغبتهما بالعمل العسكري، والاتفاق معهما على تأكيد رغبتهما بالذهاب لإحدى معارض مفروشات الأثاث البعيدة عن مركز المدينة، والقريبة من حاجز صهيوني، وحين ذهبت الفتاتان اتفقت معهم السيدة على عرض الموضوع على صديقتين لهم "بالاسم طبعاً" للقيام بعملية نوعية، وحددت لهن هدف العملية وموعدها وتاريخها وذلك في اليوم الأخير من امتحانات الثانوية العامة لهن، لم تنجح مهمة اجتذاب المزيد من الفتيات، وبقي موعد العملية قائماً، وفي فجر اليوم الأول من امتحانات الثانوية العامة تم مداهمة منزل الفتاتين واعتقالهما.

وختام القول؛ فإنه لا يوجد قالب معين للتنظيم الوهمي، ولا أسلوب معين، ولا فئة مستهدفة محددة، ولا آلية تواصل ثابتة، ولأن الحماس نحو العمل المقاوم هو ما يدفع الشبان للوقوع في فريسة التنظيم الوهمي، فقد يكون الحل المرحلي هو التوجه نحو العمل الفردي بعيداً عن التنظيمات والفصائل، تماماً مثلما نجح محمد الفقيه وعمر العبد في تنفيذ عملياتهما بنجاح أو الاعتماد على المعرفة الشخصية المسبقة والوثيقة مثلما فعل أحمد إسماعيل جرار وأحمد نصر جرار، ختامًا؛ قد ينطبق على التنظيم الوهمي: "الطريق إلى النار.. معبدٌ بالنوايا الحسنة".

ملاحظة: المعلومات الواردة في التقرير حقائق وبيانات مثبتة وردت على لسان الأسرى المحررين، وهم ذوو تجربة اعتقالية ونضالية طويلة، وتم إخفاء أسمائهم للحفاظ على سلامتهم.

مقالات ذات صلة