عين على العدو

الحرية بين أميركا و”إسرائيل”

تناولت في مقالة سابقة موقفاً أميركياً اتهم الإعلام العربي بالدعوة إلى التطرف، ودعم القوى التي تمارس الإرهاب، وتنكر المحرقة ضد اليهود… فأشرت إلى حرص أميركا على حرية الإرهاب الإسرائيلي بالتحديد.


 


لا أحد ينكر المحرقة، وهي عمل عنصري خطير ومدان. لكن، مرة جديدة نقول: ليس الفلسطينيون مسؤولين عنها. ولا يجوز أن يستمر الشعب الفلسطيني في دفع ثمن جريمة وعمل إرهابي لا علاقة له بهما. ولا يجوز أن يكون ثمة تواطؤ بين أميركا و”إسرائيل” وبعض أوروبا على تجاهل الحقيقة ودعم احتلال “إسرائيل” لأراضي الفلسطينيين وتهديد الأمن والاستقرار والسلم في العالم، وإهمال وتجاهل حقوق الفلسطينيين في العيش بحرية وكرامة على أرضهم.


 


هذا في المبدأ. أما إذا كانت المسألة مسألة حريات في التعبير عن الرأي والمعتقد، وممارسة الشعائر والطقوس، فإن المقاربة الأميركية يجب أن تكون مختلفة أي عادلة بالاستناد إلى معيار واحد في التقويم والتحليل.


 


لماذا أعود إلى هذا الموضوع اليوم؟


 


لأنه وفي الوقت الذي اتهمت فيه الإدارة الأميركية الإعلام العربي بالتحريض، والدعوة إلى العنف ضد “إسرائيل” وإنكار المحرقة، قامت “إسرائيل” بطرد أحد الكتاب الأميركيين من مطار بن غوريون ومنعته من الدخول إلى “إسرائيل” وأعادته إلى أميركا، ولم يقل أحد من المسؤولين الأميركيين كلمة.


 


نعم، البروفيسور “نورمان فنكلشتاين” صاحب كتاب: “صناعة الهولوكوست… تأملات في استغلال المعاناة اليهودية”. كاتب يهودي، والداه من ضحايا النازية، يحمل الجنسية الأميركية، وهو من أهم الباحثين. وصل إلى مطار بن غوريون منذ أيام. مُنع من الدخول إلى “إسرائيل” وأعيد إلى أميركا، لماذا؟


 


لأنه كتب الكتاب المذكور الذي أسهب فيه في الحديث عن المحرقة. يعني هو لم ينكرها كما تزعم الإدارة الأميركية باتهامها الإعلام العربي بفعل ذلك! هو يتحدث عن معاناة اليهود وعن الألم الذي لحق بهم، ولكنه في الوقت ذاته يتحدث عن استغلال هذه المحرقة والمتاجرة بها لتبرير قتل الفلسطينيين! هو في هذا المجال ليس الباحث أو الكاتب الأول ولن يكون الأخير. “آموس أوز” فعل ذلك قبله، والاثنان تعرضا لحملات شنيعة في أميركا و”إسرائيل”. منعا من التدريس في جامعات أميركية، حوربا، اتهما بتعريض مصالح وأمن “إسرائيل” للخطر لأنهما أشارا إلى التاريخ بموضوعية. الأول أكد أن فلسطين لم تكن أرضاً بلا شعب. وأن “إسرائيل” لم تقم على أرض بلا شعب، بل قامت على أرض شعب آخر وسلبته حقوقه ولا تزال تمارس كل الممارسات التي لا تؤدي إلى أمن واستقرار وسلام. والثاني أي “فنكلشتاين” الذي يتحدث عنه اليوم، فهو رفض المتاجرة بدماء اليهود ومعاناتهم لقهر شعب آخر.


 


المهم، هذا الكاتب الأميركي، منع من الدخول إلى “إسرائيل”. أعيد من المطار، عوقب على حقه في إبداء رأيه. في ممارسة حرية الرأي والتعبير عنه. حرية البحث والغوص في أعماق التاريخ والعلم. اعتُدي عليه وعلى حقه، ولم نر الإدارة الأميركية أو وسائل الإعلام الأميركية تنتصر لهويته الأميركية، لحريته، لعلمه، ومعرفته وحق الناس في الاطلاع عليهما!


 


لماذا؟ ألا تريد الإدارة الأميركية ووسائل الإعلام الأميركية الاطلاع على الحقيقة والبحث عنها؟


 


ماذا لو حصل هذا الأمر في دولة عربية؟ أي دولة عربية؟


 


ماذا لو حصل أمر مماثل مع كاتب من جنسية أخرى، كان يدافع عن “إسرائيل” ومنع من دخول دولة ما؟


 


ماذا لو كان الأمر يتعلق بكتاب من نوع آخر؟


 


دون أن يكون الاتهام الأميركي لوسائل الإعلام العربية مقروناً بالوقائع والحقائق ومثبتاً بالأدلة، ذهبت الإدارة الأميركية إلى شن حملة متناولة الحكومات العربية ووسائل الإعلام الخاص. فلماذا لا نسمع كلمة اليوم أمام هذه الممارسة الإرهابية الإسرائيلية ضد حرية الفكر والتعبير؟


 


مرة جديدة تتخلى أميركا عن أبنائها لأنهم أزعجوا “إسرائيل”. لأنهم انتقدوا إرهابها، لتؤكد أن المعيار الأول والأهم في كل التوجهات هو خدمة المصالح الإسرائيلية. ولتؤكد لها “إسرائيل” بالمقابل أن الأميركي المقبول على أرضها هو الذي يقبل الإرهاب والعنصرية والجرائم وجدران الفصل أو القتل والتهجير والتدمير والمجازر الجماعية والفردية واحتلال الأراضي وممارسة الحرمان والجوع والفقر ضد أبناء الشعب الفلسطيني. والأميركي المقبول هو الأميركي المزوّر للحقيقة والتاريخ والمضللّ للشعوب والمجتمعات. والكتب المقبولة، هي الكتب التي تنسجم مع هذا التوجه والقراء المقبولون هم الذين لا يقرؤون كتب “أوز” و”فنكلشتاين”، بل الكلمة المقبولة هي الكلمة المزوّرة والمزوّرة.


هذه هي “إسرائيل”. وهذه هي أميركا تحميها وتدعمها.


فأين حرية الإعلام؟ وأين الديمقراطية؟

مقالات ذات صلة