عين على العدو

“إسرائيل” والمشهد الفلسطيني

هاكم رؤوس أقلام المشهد الفلسطيني في آخر نسخه المحدّثة: تصاعد الهجمات والاعتداءات “الإسرائيلية”، وسقوط أول شهيد منذ سريان التهدئة اللفظية في قطاع غزة المُقاطَع فلسطينياً والمحاصر جيداً، “إسرائيلياً” وعربياً ودولياً، واستباحة مدن الضفة الغربية، المستثناة من “التهدئة”، واستهداف المؤسسات الرسمية والجمعيات الخيرية والمساجد والكنائس والمستشفيات والمدارس، وتصاعد سياسة الاستيطان وتهويد القدس ومطمطة جدار النهب والتوسّع و”التطقيع” لقرار محكمة لاهاي في الذكرى السنوية لميلاده والقابعة أوراقه وحبره الباهت في جوارير مغبرة بجانب أشقائه من عشرات القرارات الدولية الخاصة بفلسطين، وتكثيف حملات الاعتقال وتسمين المعتقلات وهدم المنازل، و”تطنيش” طلبات السلطة على موائد التفاوض بشأن الأسرى، وأخيراً طلبها المتعلِّق بدفن جثمان الشهيدة دلال المغربي، عند الإفراج عنه قريباً في صفقة حزب الله، بعد ثلاثين عاماً على استشهادها.


 


في إحدى زوايا المشهد المظلم يظهر مسؤول فلسطيني بربطة عنق أنيقة، ليقول: إن الاعتداءات “الإسرائيلية”، تمثل إهانة للسلطة وقياداتها، ويعلن أن القيادة “تدرس!” إذا كان “بالإمكان!” اتخاذ قرار بوقف الاتصالات مع “إسرائيل” إلى حين وقف الاستيطان. وبنبرة غضب وزمجرة لم يفته أن يؤكد أن القيادة تنظر بخطورة بالغة إلى المخططات “الإسرائيلية”، باعتبار أن كل هذه الأعمال (أعمال وليست جرائم)، موجهة بالدرجة الأولى لتقويض السلطة ووضعها أمام اختبارات الثقة أمام شعبها، وأن القيادة لا يمكن أن تحتمل استمرار النشاط الاستيطاني “بالطريقة التي تقوم بها “إسرائيل””، ولا نعرف ما هي الطريقة البديلة.


 


وفي زوايا أخرى يتحدّث ناطقون حديثو العهد لكنهم حافظون ديباجات الكلام المكرر عن “تهديد فرص السلام” و”عدم المساعدة على دفع عملية السلام” و”زعزعة الاستقرار” و”مناشدة المجتمع الدولي” (و.. و..).


 


المسرح المشطور شطرين، أحدهما محاصر والثاني شراذم، لا يخلو مما يبقي الأمل حياً والضوء مشعاً رغم الظلام. ففيه شباب وصبايا وعجائز لا يتقنون الكلام أمام الشاشات التي إن تذكرتهم تظهرهم بين أقدم جنود الاحتلال تدوسهم أو تحت هراوات العساكر المدججين بالكراهية والحب السادي للقمع. هؤلاء يواصلون من دون كلل أو ملل معركة الدفاع عن جبنة الأرض في مواجهة أفعى الجدار. هل بات أحد في الكون لا يسمع باسم نعلين وبلعين والمعصرة وأم سلمونة؟ قليل من ذوي ربطات العنق يظهرون مع هؤلاء، بينما يشارك، أسبوعياً، متضامنون أجانب من فرنسا واليابان والولايات المتحدة وإيطاليا وبريطانيا، وفاء لإنسانيتهم واقتفاء لأثر الشهيدة الخالدة راشيل كوري التي قدمت جسدها وروحها طعاماً لجرافة الاحتلال، علّها تشبع وتكف عن التهام المنازل الفلسطينية.


 


هؤلاء الفلسطينيون المواظبون على خوض معركة الجدار ومعهم أنصار الحرية من شتى بقاع الأرض، لا يكترثون لا بعنجهية “إسرائيل” وغطائها الأمريكي والدولي، ولا بإصرار “أهل الحل والربط” على بقاء بعض ما وقع بأيديهم من الوطن مشطوراً. وبعد فشل عمره ثمانية عشر عاماً، “يدرسون” فكم سنة سننتظر لينفّذوا؟

مقالات ذات صلة