عين على العدو

المسيري والصهيونية والحضارة الغربية

أثار خبر وفاة الدكتور عبد الوهاب المسيري في مطلع هذا الشهر (3 يوليو 2008) كثيراً من الشجون، كما أثار لدي عدا الشجون، بعض الذكريات والأفكار التي تستحق التسجيل.


 


فمنذ 11 عاماً (1997) ظهر للدكتور المسيري كتاب بعنوان «الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ»، أكد فيه على الشبه بين إبادة اليهود على يد النازية وإبادة وقهر الفلسطينيين على يد الصهيونية، وربط بين هذا وذاك وبين مختلف أعمال الإبادة التي ارتكبها الغرب في تاريخه الحديث، من إبادة الهنود الحمر في أميركا، إلى إبادة سكان استراليا الأصليين، إلى إبادة اليابانيين بالقنبلة الذرية في نهاية الحرب العالمية الثانية.. الخ.


 


الأهم من ذلك، وهو ما يمكن اعتباره القضية الأساسية في الكتاب، تأكيد المسيري على العلاقة بين عمليات الإبادة هذه والعقلية النازية والصهيونية من ناحية، وبين أسس الحضارة الغربية من ناحية أخرى. فالدكتور المسيري يذهب في هذا الكتاب إلى أن النازية والصهيونية وما ارتكبتاه من أعمال، هي نتاج طبيعي للحضارة الغربية، أي أن من طبيعة الحضارة الغربية أن تؤدي إلى هذه الأعمال البالغة التدني.


 


والقضية، كما نرى، مثيرة وخطيرة، وقد بذل د. المسيري جهدا كبيرا لتوثيقها وإقناع القارئ بها. وأنا أجدها فكرة لها جاذبية قوية وشاحذة للفكر، ولكنها يجب في رأيي أن تؤخذ بحذر وأن نجري عليها تحفظات مهمة.


 


ذلك أن الحضارة الغربية الحديثة، إذا أرخنا بدايتها ببزوغ عصر النهضة الأوروبي، كانت دائما تنطوي على عنصرين يكادان أن يكونا طرفي نقيض. أحدهما مادي، نفعي، آلي، لا أخلاقي، أو على الأقل يستبعد الحكم الأخلاقي من المعرفة، ويحول كل شيء، حتى الإنسان نفسه إلى وسيلة (أو ما يسميه المسيري «حوسلة»). ولكن هناك عنصرا مضادا تماما: روحي، ديني، فني، أخلاقي أو قيمي، يعلي من شأن الإنسان وينظر إليه على أنه خليفة الله في الأرض.


 


العنصران موجودان في الحضارة الغربية منذ عصر النهضة على الأقل، وما زالا موجودين حتى الآن. فليس صحيحا الكلام عن الحضارة الغربية وكأنها لا تنطوي إلا على العنصر الأول فقط.


 


ولكن من الصحيح أيضا فيما يبدو لي، وهذا هو الذي يجعل الكثيرين يتعاطفون بشدة مع موقف د. المسيري من الحضارة الغربية، أن العنصر الأول (النفعي والمادي.. الخ) هو الآخذ في الانتصار منذ نهاية عصر النهضة، والذي شهدنا في القرن العشرين أمثلة صارخة عليه في حربين عالميتين مدمرتين، وقيام الفاشية والنازية والجرائم الستالينية.. الخ.


 


والذي نرى في أيامنا هذه مثالا صارخا عليه في ما تفعله الصهيونية بالفلسطينيين، فضلا عن انتشار قيم المجتمع الاستهلاكي وازدياده قوة. في شهر مايو 1997 عقدت ندوة في مكتبة القاهرة لمناقشة كتاب د. المسيري الذي أتكلم عنه (الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ)، ودعيت للاشتراك في المناقشة.


 


وكنت أقرأ قبل انعقاد الندوة بأيام في كتاب بديع وغير عادي مؤلفه علي عزت بيجوفيتش، الذي أصبح رئيسا لجمهورية البوسنة بعد حربها الشهيرة وتوفي وهو رئيس لها، واسم الكتاب «الإسلام بين الشرق والغرب»، وهو مترجم، لحسن الحظ، ترجمة جيدة للغاية. والواقع أن الذي جعلني أعيد القراءة فيه هو كتاب د. المسيري نفسه.


 


فقرأت في كتاب بيجوفيتش فصلا رائعا بعنوان «دارون ومايكل أنجلو»، وعنوان الفصل ومحتواه يدلان على نفس هذه الفكرة التي أقول بها الآن، أي وجود عنصرين متضادين في الحضارة الغربية.


 


فالعنصر الأول، في رأي بيجوفيتش، تمثله النظرة الدارونية إلى الإنسان على أنه لا يختلف في الحقيقة، وفي نهاية الأمر، عن أصغر حشرة، وهذا العنصر هو ما يشير إليه المسيري بكثرة. أما العنصر الثاني فتمثله أعمال مايكل أنجلو، المثال والرسام الإيطالي الشهير، وبالذات ما رسمه في كاتدرائية سانت بيتر في روما، حيث يمثل طموح الإنسان إلى كل ما هو نبيل وراق.


 


يقول بيجوفيتش إن الحضارة الغربية فيها هذان العنصران، كما أن نفس الإنسان تنطوي على هذين العنصرين أيضا. ونحن في حياتنا اليومية كثيرا ما نشير إلى الإنسان بأحد المعنيين، فنقول مثلا «نحن في نهاية الأمر مجرد بشر»، عندما نقصد أنه يجب ألا نطالب بالمستحيل، ولكننا نقول أيضا لشخص ما «فلتتصرف كواحد من بني آدم»، بمعنى أن عليك ألا تفقد كل إحساس وأي شعور بالحياء.


 


ونلاحظ أيضا أن ماكيافيللي في كتابه الشهير «الأمير»، كان يصف العنصر الدنيء في الإنسان، في نفس الوقت الذي كان يرسم فيه مايكل أنجلو رسومه البديعة في كاتدرائية سانت بيتر.


 


ولكن المؤسف، وهنا نجد أن الدكتور المسيري معه الحق تماما، أن العنصر الدنيء في الإنسان، هو الذي انتصر مع تطور هذه الحضارة، أو أنه على الأقل أخذ في تحقيق المزيد من الانتصارات.


 


لا بد أن هذا الجانب الدنيء هو ما كان يقصده الزعيم الهندي غاندي في إجابته على سؤال وجهه له صحافي أوروبي، وهو «ما رأيك في الحضارة الغربية؟»، إذ أجاب غاندي ساخرا «إنها يمكن أن تكون فكرة جيدة!»، وكان يقصد «كم كان يصبح الأمر جميلا لو حاول الغرب أن يسلك بالفعل سلوكا متحضرا»!


 


والمؤكد في ما يبدو لي، أن الحضارة الغربية زاد ميلها إلى التدهور من الناحية الأخلاقية، أو زادت فيها غلبة العنصر المادي على العنصر الروحي أو المثالي، مع مرور قرن بعد آخر منذ عصر النهضة. ولا شك عندي أيضا في أن الحركة الصهيونية وزيادتها قوة وتحقيقها لانتصار بعد آخر، هي مظهر من مظاهر هذا التدهور.


 


ولا بد أن هذا هو ما جعل الدكتور المسيري يربط بين الصهيونية والحضارة الغربية. ولكني أظن أن من المهم التمييز بين القول بأن الصهيونية «نتاج طبيعي للحضارة الغربية»، وبين اعتبارها نتيجة لانتصار عنصر على آخر في داخل هذه الحضارة، وهو انتصار ما زلنا نرجو ألا يستمر إلى الأبد.

مقالات ذات صلة