عين على العدو

فلسطين الماضي ونظرة إلى المستقبل

 


 


لا ريب في أن قواعد عريضة من أبناء الأمة العربية تشعر بأن الأيام والفرص قد ولت، وأنها تعيش العجز بسبب الأزمات التي عانتها بأوضح صورها، وأن هذه الأمة لم تتعامل في الماضي بعقلانية وبضمير حتى ضاعت الفرص نتيجة عدم قبولها بالأمر الواقع، بسبب الفراغ الأيديولوجي والعسكري والتعامل مع الزمان، الأمر الذي جعل هذه الأمة تفقد مصالحها السياسية. وتعتبر الأزمة الناشئة في فلسطين، ومن ثم بين العالم الغربي والعرب، أوضح دليل على ضياع أرض فلسطين، لأن هذه الأمة لم تستطع تفكيك البُنى التصادمية ونزع الصبغة الذاتية عن الأمور، ولم تقفز أو تسترسل في التعامل مع المتغيرات داخل إطار النظام العالمي آنذاك. ومن المحزن أن أحد الكتّاب انتقد في كتاباته اليومية العرب لرفضهم قرار مجلس الأمن رقم 181 الصادر عام 1947 والقاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين: واحدة لليهود، وأخرى للعرب. ويقول الكاتب، إن العرب أدركوا خطأ رفضهم ذاك متأخرين، وقمة المهزلة اليوم كما يقول كانت إعلان حماس تحرير قطاع غزة التي لا تزيد مساحتها على 350 كيلومتراً مربعاً تمهيداً لإعلان دولة “حماسستان” أو “غزستان”، وتنشطر آخر بقعة للوجود الفلسطيني بيد أبناء الشعب الفلسطيني أنفسهم.


 


وبداية نقول، إن العرب أحسنوا فعلاً عندما رفضوا قرار تقسيم فلسطين، إذ أنهم لو قبلوا به لكان ذلك حجة عليهم، لأن القبول بالتقسيم يعني أن العرب يسلّمون بوجود يهود في أرض فلسطين منذ آلاف السنين، وأن هذا الوجود اليهودي لم ينقطع، وأن قرار التقسيم ليس منشئاً لحق يهودي في فلسطين، بل هو كاشف لهذا الحق، وهذا الأمر رفضه العرب برفضهم قرار التقسيم غير العادل الذي يفضح تآمر الغرب على العالم العربي والإسلامي.


 


وعلى الرغم من أن الرفض العربي لهذا القرار لم يحل دون تنفيذه وقيام “إسرائيل” عام 1948، وما تبع ذلك من تهجير جماعي للشعب الفلسطيني من مدنه وقراه في فلسطين. إلاّ أن هذا الرفض كان هو الأساس لولادة المقاومة العربية التي تزعمتها مصر في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. ومن ثم ولدت منظمة التحرير الفلسطينية من رحم هذه المقاومة العربية. واستطاعت منظمة التحرير من خلال الدعم العربي والإسلامي لها ودعم دول عدم الانحياز، أن تثبت وجودها كصاحبة حق وقضية في فلسطين. لكن منظمة التحرير تعرّضت للاختراق من قبل الولايات المتحدة و”إسرائيل” مما أدى إلى ولادة اتفاق أوسلو المشؤوم عام 1993، الذي كان بداية المحنة الحقيقية للشعب الفلسطيني، لأن منظمة التحرير، بهذه الخطوة، رفعت الغطاء العربي والإسلامي عنها، ودخلت في اتفاق مباشر مع “إسرائيل”، بدعوى أنها تعرف مصالح الشعب الفلسطيني أكثر من العرب.


 


وهكذا انحسر الدعم العربي عن القضية الفلسطينية، وتفرّقت المواقف العربية تجاه السلطة الفلسطينية التي ألغت دور منظمة التحرير. ورغم الغرور الذي انتاب بعض أعضاء هذه السلطة، إلاّ أن آمالهم ما لبثت أن تبخّرت بعدما نكثت :إسرائيل” وعودها التي قطعتها للسلطة، إذ لم تعطها شروى نقير من تلك الوعود التي تمثلت بقيام دولة فلسطينية في الضفة وغزة تعيش في أمن وسلام إلى جانب “إسرائيل”. وعندما رأى الشعب الفلسطيني أخطاء قيادته، صوّت لحركة حماس في الانتخابات التشريعية التي جرت مطلع عام 2006. وما أن شكّلت حماس حكومة فلسطينية، حتى أعلنت الولايات المتحدة والغرب وبعض الدول العربية مقاطعتها لهذه الحكومة، وتم فرض حصار اقتصادي على الشعب الفلسطيني المحاصر أصلاً، فانفجر الموقف عسكرياً وانتهى الصراع بين قوات السلطة وحماس في غزة إلى سيطرة حماس على القطاع. وبهذه السيطرة يكون الشعب الفلسطيني قد حقق أول نجاح له في صراعه الطويل مع الكيان الصهيوني. ويجب ألاّ يُستهان بهذا النصر، فمهما قيل إن قطاع غزة صغير، إلاّ أنه يبقى جزءاً من فلسطين التاريخية، وهو الآن أصبح بالكامل تحت سيطرة المقاومة، وهذا شيء يبشر بالخير.


 


ولنعد إلى الوراء، فالعرب المسلمون عندما فتحوا إسبانيا عام 91 للهجرة، سيطروا على معظم أرجائها ما عدا الركن الشمالي الغربي، وهو الإقليم المسمى “أشتوريش” في منطقة جليقية أوغاليسيا، التي لم يفرض المسلمون سلطانهم عليها لوعورة مسالكها وبرودة مناخها، فأهملوها زهداً واستهانة بشأنها. ولهذا استطاعت بعض فلول الجيش الإسباني المنهزم بزعامة قائد منهم يدعى بلاي أن تعتصم بالجبال الشمالية في هذه المنطقة، وهي التي يسميها الأسبان قمم أوروبا، وهي عبارة عن ثلاثة جبال شامخة، القمة الغربية منها تسمى أونجا وفيها مغارة تُعرف بكهف أونجا أو “كوفادونجا” ويسميها العرب صخرة بلاي، لأنه اختبأ فيها هو وأصحابه حينما حاصرهم المسلمون، وعاشوا على عسل النحل الذي وجدوه في خروق الصخر. ولما أعيى المسلمين أمرهم، تركوهم وانصرفوا عنهم استخفافاً بشأنهم، وقالوا: ثلاثون علجاً ما عسى أن يجيء منهم؟ لكن من هذه البؤرة الصغيرة كوفادونجا، نبتت نواة دولة إسبانيا النصرانية، ونبتت معها حركة المقاومة الإسبانية، التي أخذت تنمو وتتسع حتى تمكنت من القضاء على الوجود العربي الإسلامي في إسبانيا بعد سقوط غرناطة عام 1492. وهكذا، فإن قطاع غزة مهما كان صغيراً، فإنه سيكون البؤرة التي سيحرر منها الفلسطينيون كامل فلسطين.

مقالات ذات صلة