عين على العدو

العرب.. بين الضعف والاستضعاف

في لقاء جمعني مع صديق أميركي من أصول عربية، علق على ما ورد في بعض وسائل الإعلام العربية حول خطب ولقاءات باراك أوباما المرشح الديمقراطي للرئاسة الأميركية قائلاً، انه يستغرب من التضخيم الذي تتعامل به وسائل الإعلام العربية مع تصريحات أوباما، وكأنها تعتقد أن عليه أن يكون عربياً أو مدافعاً عن العرب والمسلمين أكثر من الشعوب العربية وقادتها.


 


وأضاف ان أوباما مهما اختلف عن نظرائه الجمهوريين، فسيظل أميركياً وسوف يدافع عن المصالح الأميركية، شأنه شأن كل أميركي عربي أو مسلم، ويعمل وفق ما تقتضيه السياسة الأميركية ومن ثم سياسة حزبه. وإذا كان أحياناً يغير تصريحاته تجاه بعض القضايا.


 


فلأن ذلك ما تقتضيه مصلحته، فهو رشح نفسه لرئاسة أميركا وليس للدفاع عن العرب، وإذا أراد الفوز فعليه أن يدافع عن قضايا ومصالح الشعب الأميركي ليكسب تعاطفه وأصواته، فلماذا الاستغراب والاستهجان في حضور باراك أوباما لاجتماع اللوبي الصهيوني؟


 


بل علينا أن نستغرب إن فعل غير ذلك. فهناك حوالي 8 ملايين عربي ومسلم في الولايات المتحدة وهم نشطاء ومبدعون في الحياة السياسية والاجتماعية في أميركا، فلماذا لم تبادر جامعة الدول العربية أو منظمة الدول الإسلامية بإنشاء لوبي إسلامي أو عربي على غرار اللوبي الصهيوني لشرح أفكار ومبادئ الإسلام، والدفاع عن مصالحهم وقضاياهم وعلى رأسها القضية الفلسطينية؟ فما دام هذا لم يحصل منذ زمن، فإنه لن يحصل الآن، والضعف العربي وصل إلى حد الخذلان وهو الذي يستحق الاستهجان.


 


هذا اللقاء وكلام الصديق خلاله هو الذي دفعني في كتابة موضوع اليوم.


 


إن كل من زار الولايات المتحدة أو درس فيها، ويعرف أن الشعب الأميركي هو من أكثر الشعوب انفتاحاً وحباً للآخرين، فهو يحسن استقبال الغرباء في بلاده، لأنه شعب متعدد الأعراق والألوان والثقافات، فيه الأوروبي والإفريقي والآسيوي والعربي، ومنهم المسيحي واليهودي والمسلم، استطاعوا أن يعيشوا معاً في هذه القارة بمختلف توجهاتهم وعاداتهم فكسبوا حب واحترام الجميع. وهذا ما جعل من الأميركي إنساناً ميالاً للتسامح، محباً للسلام إلى جانب أنه يمتلك إمكانيات وقدرات إبداعية هائلة تفوق بها على جميع الشعوب، فهو من السباقين إلى اكتشاف الفضاء والكواكب الأخرى، وما زال مستمراً إلى الآن.


 


وهو من أكثر الشعوب خدمة للبشرية والإنسانية بتفوقه العلمي والتكنولوجي وابتكاراته في شتى المجالات التي أبهرت العالم وساعدته على الارتقاء والتميز، ولم تتوقف اكتشافاته وإبداعاته التي تطرح لنا كل يوم جديداً خاصة لشعوب الدول النامية بما فيها العربية التي لا تحسن إلا الاستهلاك، فقدم لها مبادرات واكتشافات علمية وتكنولوجية وطبية، أنقذت حياة الملايين.


 


وفتحت المجال للجميع دون استثناء، للمعرفة والتقدم وجعلت من العالم قرية صغيرة، وفتحت أبوابها لطلاب العلم والدراسة في الجامعات والمراكز العلمية الأميركية، دون قيد أو شرط.


 


وهذه الخدمات لا يمكن لأي عاقل أن ينساها أو ينكرها، وما قدمه الشعب الأميركي للعالم عبر العصور لابد من الإشادة به.


 


أما سياسياً فلقد توالى على أميركا رؤساء تركوا بصمة مشرقة في تاريخها، منهم جورج واشنطن الذي حارب الاستعمار البريطاني حتى حقق الاستقلال، ثم إبراهام لينكولن محرر العبيد الذي كان أول مرشح للحزب الجمهوري، فجون كندي المنفتح على العالم وشهيد الحرية، ثم نيكسون بحنكته وجرأته في أصعب الأوقات، وكارتر الرجل الإنسان.


 


أما البصمة السوداء في تاريخ أميركا فلقد كانت على يد الرئيس الحالي جورج بوش الذي تعتبر فترة حكمه الأكثر عنفاً في تاريخ الولايات المتحدة، والسبب أن الانتخابات في أميركا تختلف اختلافاً كلياً عنها في دول العالم، لأنه في أميركا لا يوجد إلا حزبان وهما اللذان يرشحان من يمثلهما للرئاسة وعلى الشعب أن يختار من يقنعه أكثر لتحقيق طموحاته.


 


وليس بالضرورة أن يكون المرشح قائداً سياسياً محنكاً، أو مرّ بمناصب وتجارب حزبية كما يحصل في أوروبا، إنما يترشح كل من يجد في نفسه القدرة ويطمح إلى رئاسة أميركا، والدليل انتخاب شخصية مثل ريجان وهو ممثل سينمائي مغمور، مع ذلك ترشح عن الحزب الجمهوري وفاز في الانتخابات أمام كارتر.


 


بعد أشهر من الآن ستدخل الولايات المتحدة دورة انتخابية جديدة لاختيار رئيس، والمرشحان هما باراك أوباما عن الحزب الديمقراطي، وجون ماكين عن الحزب الجمهوري، وكل منهما يعمل جاهداً ويعد ويخطط للوصول إلى البيت الأبيض.


 


باراك أوباما يتحدث عن سياسة مختلفة داخلياً وخارجياً، ويطالب بالتغيير الشامل، والداخل بالنسبة له أهم من الخارج، خاصة الوضع الاقتصادي والاجتماعي، فأميركا رغم أنها أكبر وأقوى وأغنى دولة في العالم، إلا أنها تشكو من حالة فقر وحرمان، حيث يعيش على أرضها حوالي 36 مليون فقير و47 مليون محروم، كما ورد في بعض وسائل الإعلام، وهذا هو التحدي الأكبر الذي سيواجه باراك أوباما داخلياً، أما خارجياً فهو يتحدث عن سياسة مختلفة.


 


لذا فشعوب الدول النامية وعلى رأسها الشعوب العربية تأمل أن يأتي بإدارة جديدة تتعامل مع العالم بأسلوب أخلاقي وإنساني، وليس بالقوة والجبروت كما فعل الرئيس الحالي جورج بوش وإدارته، رغم أنها تعلم أن أي رئيس أميركي حتى لو كانت بيده السلطة العليا، إلا أن تصرفاته وأفعاله يجب أن تتماشى مع سياسة الدولة للحفاظ على مكانتها في السيطرة على العالم وتسييره حسب مصالحها، وليس حسب متطلباتهم.


 


لكن هذه الشعوب تحلم بالاستقرار والأمن بعد أن ذاقت الذل والمرارة في عهد جورج بوش الذي لم يعرف العالم خلاله إلا الدمار والحرب، تارة تحت مسمى الإصلاح والديمقراطية وتارة تحت مسمى مكافحة الإرهاب، مع أن الإرهاب الذي ظهر وازداد في عهده لم يعرف له العالم مثيلاً، خاصة إرهاب الدولة الذي نشعر به نحن العرب من خلال ممارسات إسرائيل في الأراضي المحتلة في فلسطين، ومن خلال ممارسات أميركا في العراق وأفغانستان.


 


كما شهد العالم في ظل حكمه أشهر سجن، وهو سجن «غوانتانامو» وأبشع وأقذر سجن وهو سجن «أبوغريب» الذي عذب وأذل واحتقر فيه شعباً فتح أبوابه لأميركا من أجل الحرية فسجنته فيه. فبفضله أصبح سجن الحريات نقطة سوداء في تاريخ أميركا الداعية إلى الحريات.


 


ومع انه لم يبق من فترة حكمه إلا شهور قليلة، لن يسيء فيها إلى العالم أكثر مما فعل، ولن تكرهه الشعوب التي عاشت في جبروته أكثر، إلا أنه مستمر في تعاليه ودعمه للظلم، ويقول علناً إن إسرائيل عندما تواجه الإرهابيين والشياطين، ويقصد بهم الشعب الفلسطيني الأعزل، فإنها لا تواجههم بسبعة ملايين نسمة، بل إنهم 307 ملايين نسمة، لأن الشعب الأميركي كله معهم، ضد الشعب الفلسطيني الذي يحاول تحرير أرضه من الاحتلال الصهيوني ويستشهد شبابه ونساؤه وأطفاله في سبيل ذلك، مع ان هذا من أبسط حقوقه التي تكفلها له القوانين الدولية التي لا تمشي إلا على من تحبه أميركا.


 


لماذا؟ لأنه يعرف أن العرب ضعفاء وعرف ضعفهم أكثر خلال فترة حكمه، لأنهم يجيدون إطاعة أميركا، ولا يجيدون الدفاع عن كرامة شعوبهم، ويرضخون لأوامر أميركا ولا يرضخون لمتطلبات شعوبهم، هكذا عرفنا العالم وهكذا يتعامل معنا، يقتلون أطفالنا ويهينوننا، ونتملق لهم ونأخذهم بالأحضان والقبلات.


 


هكذا يفعل بعض قادة العرب مع ألدّ أعدائهم، مع من يسيء لهم ويعتدي على شعبهم، فماذا نتوقع إذاً من الآخرين، سواء كان جورج بوش أو باراك أوباما؟!

مقالات ذات صلة