عين على العدو

جلعاد شاليط للبيع!

لم يكن في نية مقاتلي كتائب الشهيد عز الدين القسام وقت أن أسروا الجندي في جيش الاحتلال الصهيوني (جلعاد شاليط) شيء سوى إيصاله إلى مكان آمن داخل قطاع غزة لتتم بعدها مفاوضات تبادل الأسرى بين حماس والصهاينة والتي يتم من خلالها الإفراج عن الجندي شاليط مقابل الإفراج عن أسرى فلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية.


 


إلى وقت إملاء هذا المقال كان قد مر على أسر شاليط عامين وما يقارب الثلاثة أسابيع, وهي مدة طويلة جدا زادت عن ما توقعه آسري الجندي لإنهاء الصفقة، وهذا ما يجعلهم – الطرف العارض للسلعة في الصفقة – يشكّون بقدرة ورغبة وسلطة الطرف الآخر – المشتري – على إتمام الصفقة ودفع استحقاقاتها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاحتفاظ بسلعة مثل عريف مدرب على مستوى عال في سلاح المدرعات التابع لجيش الاحتلال الصهيوني (جلعاد شاليط) في مكان ضيق جداً كقطاع غزة ليس بالأمر السهل أبداً، وهو لربما يكلف الآسرين الكثير من الإجراءات الأمنية والاحتياطية للحفاظ على سرية الموضوع وعلى حياة الأسير. فإلى متى سينتظر الآسرون موافقة حكومة الاحتلال على إجراء الصفقة وإعادة جنديها المأسور ؟!!


 


هذا السؤال يفتح مجالاً كبيراً للتفكير في البحث عن بدائل, والبدائل هنا لن تكون إلا بالالتفات إلى الجانب الآخر حيث يتنافس التواقون للشراء لإقناع صاحب السلعة (حماس) ببيع الجندي لهم مقابل أي ثمن تريد, مع أن حماس على قناعة أن أغلى ثمن هو حرية أسراها؛ لكنها قد تغفل هذه النقطة في حالة رفض سجّان الأسرى الصفقة، ولربما قد يشجعها على ذلك المقدرة التي يتمتع بها مقاتلوها الآن والتي تتيح لها إدخال جنود آخرين أمثال جلعاد مكبلي الأيادي والأرجل إلى قطاع غزة.


 


حزب الله اللبناني والذي يبرع في مفاوضات تبادل الأسرى – والتي أتم آخرها قبل أيام – لن يتردد بدخول مزاد امتلاك شاليط، فالحزب استبدل جثتين هامدتين لجنديين صهيونيين بخمسة أسرى أحياء منهم أقدم الأسرى “سمير القنطار” ومئات من رفات الشهداء التي يمتلكها الصهاينة، بالإضافة إلى الكثير من التقارير الأمنية وخرائط القنابل العنقودية وتدخلات وصلت إلى تحرير أسرى أردنيين، فامتلاك الحزب لجندي حي وبصحة ممتازة مثل شاليط يفتح له المجال لدخول مرحلة تحرير مزارع شبعا المحتلة بعد أن أغلق ملف أسراه، وأتوقع أن الحزب سيدفع أي ثمن تطلبه حماس حتى لو كان صواريخ طويلة المدى تدك قلب الكيان وصواريخ مضادة للدروع والطائرات كالتي امتلكها في حرب تموز، ولا أتوقع أنه سيعجز عن إيصالها إلى أنفاق بيت حانون وجباليا! ولن تخجل حماس من القول أن جلعاد شاليط أصبح (مفقــوداً)! !


 


حتى سوريا لن تضيع فرصة امتلاك شاليط فهو بالنسبة لها كنز معلومات لما يعرفه عن وضع جيشه ولواء المدرعات الذي يخدم به، وحتى لو كانت سوريا لا تستطيع إعلان أن الجندي لديها، لكن بإمكانها إيصال رسالة خفية للإسرائيليين تعلمهم بذلك، فهي أيضاً الآن تخوض مفاوضات مهمة بوساطة تركية سيكون لورقة شاليط تأثيراً كبيرأً فيه! .. إيران أيضاً يكاد يسيل لعابها على ورقة قوة ضد الكيان مثل شاليط فهي الآن تستطيع التأثير على الساحة الإسرائيلية بملف طيار مفقود ميت منذ عقود فكيف بجندي ما زال على قيد الحياة! بمجرد افتتاح المزاد وعرض السعلة فأن أيادي الطلاب سترتفع وستتنافس على من يعطي السعر الأعلى للحصول عليها ولن يخلوا المزاد من طلاب بكل اللغات والجنسيات جاؤوا من كل بقاع العالم لشراء السلعة النفيسة !


 


لا أدعو حماس للمتاجرة بما جاء به مقاتلوها لكن أدعو إلى أن نكون أمام الأمر الواقع والذي لا يبشر برغبة حكومة الكيان وقادة أجهزته الأمنية باسترجاع أسيرهم، فإن لم يقبلوا الصفقة هنالك غيرهم الكثيرون سيحرصون على قبولها, ومن غير المعقول أن يبقى الجندي حياً في قبره المعجون برمل الأنفاق لسنوات أخرى مع التكاليف الأمنية والاحتياطية التي يدفعها الآسرين لقاء بقائه بين أيديهم وبقاءه على قيد الحياة.


 


كل شيء له حدّ، والمدة التي يجب أن تتم بها صفقة شاليط تجاوزت كل الحدود، وأتوقع أن غزة ستتحمل استضافته بضعة أشهر فقط وإصغاء حماس إلى أصوات الشرّاء الآخرين لن يكون ببعيد فهي لن تسمح بتضييع إنجاز مقاتليها قبل عامين.


 


وبرأيي الشخصي فجلعاد يفضل أن يؤسَر في غرفة مكيّفة مع سرير لائق مريح في إحدى العواصم كدمشق وطهران، والجلوس على ضفاف نهر الليطاني مظللاً بأوراق أشجار الأرز في الجنوب اللبناني على نفق تتناقص فيه كمية الأكسجين بعمق سبعة أمتار تحت الأرض وبنسبة رطوبة تفوق الـ80%، ولن يضيّع بالتأكيد خيار النوم ببيته على وسادته الريشية ويد أمه تخلل له شعر رأسه وتوقظه من نومه صباحاً قائلة (جلعاد، انهض تناول الفطور؛ أعددت لك شطائرك المفضلة) ! !


 


لكن للأسف ورقة الحل والربط ومكان الإقامة ليست بيد الجندي شاليط ولا بيد والدته، إنما بيد قادة حكومته السياسيين، فهم من يستطيع الاختيار والتحديد أين سيعيش جنديهم التعيس الأشهر القادمة ! ! ! 

مقالات ذات صلة