عين على العدو

إسرائيل تعمل على إعادة 100 ألف يهودي من أصل روسي تركوا البلاد

لماذا يعود اليهود من أصل روسي إلى بلادهم ؟


إسرائيل تعمل على إعادة 100 ألف يهودي من أصل روسي تركوا البلاد


موقع عرب48 – عبد الحكيم مفيد


مؤخرا بدأت إسرائيل بحملة لإعادة اليهود الذين تركوا إسرائيل وعادوا إلى دولهم الأصلية أو دول أخرى.


يعرّف الإسرائيليون هذه المجموعة ب”النازلين” وهي ترجمة حرفية للكلمة (يورديم) وبالإمكان اعتبار هؤلاء إسرائيليا ب “النازحين”,الذين جاؤوا إلى إسرائيل مؤخرا من دول مختلفة من أنحاء العالم لكنهم قرروا ترك البلاد والعودة إلى بلادهم الأصلية.


بالنسبة للمشروع الصهيوني تعتبر مثل هذه المسالة فشلا ذريعا, قليلا ما يتم الحديث عن “النزوح” ,لكن الظاهرة تعبر عن فشل في استيعاب هؤلاء اليهود في المجتمع الإسرائيلي ,وتحويلهم إلى ” إسرائيليين جدد” كما يسميهم الباحث الإسرائيلي توم سيجف.


كان المشروع الصهيوني برمته وما زال يتمثل ب” عودة اليهود إلى وطنهم”, ليكونوا “شعبا حرا في وطنهم”, مثل هذا الأمر كان يقتضي تشكيل مجتمع أو ملامح مجتمع له من المشترك الذي يجمع الجميع, حتى يكون من الممكن العيش سوية.


كان ما أطلق عليه “بوتقة الصهر” هو ماهية هذا المشروع, ففي بوتقة الصهر يتم إنتاج الإسرائيلي الجديد القادم من وراء البحار ومن أماكن بعيدة, ويتم إنتاجه بحسب مقاييس توضع سلفا, من اجل إنتاج “إسرائيلي جديد”.


لكن بوتقة الصهر اختفت وما عاد بالإمكان إنتاج إسرائيلي جديد بحسب مقاييس المؤسسة الإسرائيلية, اللغة والثقافة والانتماء والجيش ,كل هذه أصبح من غير الممكن ضبطها وتقديمها على شاكلة وصفة سحرية للجميع.


منذ بداية الثمانينيات تعيش إسرائيل حقيقة حالة معاكسة لبوتقة الانصهار التي ظلت تسير بأسلوب مليء بالزيف والفبركة حتى انتخابات 1977, حين انتهت مرحلة حكم الحزب الواحد, وبعد أن فاز الليكود بقيادة مناحيم بيغن بالانتخابات.


إسرائيل البيضاء


حتى العام 1977 كانت إسرائيل بيضاء, يحكمها البيض اليهود القادمون من أوروبا الغربية تحديدا من بولونيا وروسيا وألمانيا, كان هؤلاء يفرضون سطوتهم على كل مناحي الحياة في إسرائيل ,السياسة والاقتصاد والقضاء والإعلام والجيش, وكان هؤلاء يرغبون في ذات الوقت أن تكون إسرائيل بيضاء كذلك.


تم إقصاء اليهود من الطوائف الشرقية, القادمين أساسا من الدول العربية بشكل منهجي وتم التعامل معهم على أساس أنهم متخلفون “نزلوا عن الشجر” قبل حين ,كما كان دافيد ليفي احد ابرز قادة الليكود من أصل شرقي يقول بشان ما يعتقده اليهود الغربيون عن اليهود الشرقيين.


هذا الإقصاء المنهجي عمليا خلق صورتين في إسرائيل واحدة رسمية يعتقد أنها تمثل بوتقة الصهر ,وأخرى في مكان آخر تغلي و لا تمت لبوتقة الصهر بصلة,الأولى تمثل النخب اليهودية البيضاء التي مثلها في حينه حزب مباي (فيما بعد حزب العمل) والثانية المجموعة اليهودية الشرقية المسحوقة التي تمثل وقود التغيير لدى الليكود.


عاشت إسرائيل منذ 1977 حالة استقطاب اجتماعي – طائفي غير مسبوق, وكان هذا هو التعبير الأبرز عن فشل مشروع بوتقة الصهر,لأنه أصلا لم يكن هناك صهر بل كان مشروعا لانتاج إسرائيلي جديد يخدم النخبة التي كانت تحكم إسرائيل ,نخبة تطلب من الآخرين التنازل عن هوياتهم وتاريخهم وثقافتهم بل والتنصل منها ,مقابل أن تحصل على شرعية “الإسرائيلي الجديد”.


كانت النخبة البيضاء في إسرائيل وما زالت تتصرف على أساس عنصري تجاه هذه المجموعات وتعتبرها متخلفة أو دخيلة, لأنها تمثل ثقافة شرقية متخلفة, على هذا الأساس تم التعامل مع الشرقيين ففشل مشروع البوتقة.


لكن منذ بداية التسعينات وبعد قدوم حوالي مليون يهودي من جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ,أضيف إلى الحالة الاجتماعية في إسرائيل صراعات جديدة غير تلك التي كانت في سنوات الستين والسبعين.


مثل القادمون من الاتحاد السوفييتي الذين قدر عددهم بأكثر من مليون في بداية التسعينات نموذجا مختلفا عن اليهود الشرقيين,فإذا كان التخلف والأصول الشرقية هي السمة التي وصف بها اليهود الشرقيون فان المسالة مع اليهود القادمين من روسيا تختلف تماما ولا يمكن مواجهتهم على هذا الأساس.


على العكس تماما, هؤلاء ينتمون للقادمين القدامى من حيث الأصول (وتحديدا القادمون من جمهورية روسيا), نفس لون البشرة ثقافة عالية, يتحدثون البولونية والييديش كذلك, شعر أشقر وعيون زرقاء, قادمون من دولة عظمى, أي أنهم مرشحون لمنافسة النخب البيضاء التي تحكم إسرائيل على السلطة والهيمنة ,ولذلك من الصعب مواجهتهم بسهولة إلا بتهم من النوع الثقيل.


ليس من قبيل الصدفة أن يوصف القادمون من روسيا أساسا بالإجرام, فيما توصف نساؤهم بالساقطات,لا يمكن الادعاء في حالتهم أنهم متخلفون,لأنهم ليسوا كذلك على الأقل بمقاييس إسرائيل.


مواجهة بيضاء- بيضاء


في المواجهة بين النخبة البيضاء الحاكمة والمدعوة بطبقة الاحوساليم (وهي مختصر بالعبرية ل:اشكنازي –قديم –علمانيون-يساريون-اشتراكيون –وطنيون) كما اسماها البروفسور باروخ كرميلنج , مع العرب كانت الأمور في غاية السهولة ومثلها مع اليهود الشرقيين أما في المواجهة مع اليهود الروس فقد كانت المواجهة أصعب ,لأنه لا يمكن مواجهتهم على أساس قومي كما العرب ولا على أساس اجتماعي – ثقافي كما مع اليهود الشرقيين ,ولذلك كانت المواجهة على أساس الانحراف الأخلاقي والإجرام.


هذه المواجهة تكشف وجها آخر للصراعات داخل إسرائيل ,هو صراع الهويات الوافدة, فإسرائيل كما قرر أوائل قادتها كانت يجب أن تكون بيضاء ذات ميول أوروبية, في كل شئ , على هذا الأساس كانت الثقافة البيضاء هي التي يجب أن تسود, وعمليا كان وظيفة بوتقة الصهر الأساسية هو “تذويب” اليهود الذين ليسوا ذوي ثقافة غربية في “البوتقة” ,كانت بوتقة الصهر” تشكل أداة هيمنة وسيطرة, فهي لم تمثل مزجا بل “هوية إسرائيلي ذات طابع غربي”؟


في ذات الوقت تعيش إسرائيل ومنذ منتصف التسعينات حالة من الانفتاح الإعلامي التي مكنت في طبيعة الحال اليهود من التواصل مع بلادهم التي قدموا منها, وبالذات روسيا, فبخلاف كل اليهود الآخرين كان اليهود من أصل روسي الأقوى من حيث الحضور العرقي ,سياسيا وثقافيا وإجراميا طبعا, ويشكل هؤلاء بلا منازع الأكثر تميزا من بين المجموعات اليهودية والأكثر تأثيرا كمجموعة.


ساهمت العولمة والانفتاح الإعلامي الذي انتهج في إسرائيل في تسريع عملية التفكيك الداخلي في إسرائيل ,فيما انتهت إلى غير رجعة بوتقة الصهر,وعادت المجموعات والجماعات تتشكل من جديد.


وقد رافق هذا مؤخرا مغادرة أعداد من اليهود لإسرائيل إلى دولهم الأصلية ,وبالذات روسيا.


مؤخرا قامت وزارة الهجرة والاستيعاب الاسرائليلية بحملة لإعادة اليهود الذين تركوا البلاد,


140 مليون شيقل هذا ما تم تخصيصه لهذه الحملة وبحسب المعلومات فان هناك مشكلة في إعادة اليهود من أصل روسي ,وهم من الشبان بالأساس وناجحون في حياتهم .


وتفكر إسرائيل بإغراء هؤلاء الشبان مجددا من اجل العودة إلى إسرائيل, “بعد إن لم تنفع العواطف” كما أكدت مصادر إسرائيلية.


الحديث بحسب المصادر يدور حول عشرات الآلاف كما ذكر موقع صحيفة هارتس أمس الجمعة ,وتقدر وزارتا الاستيعاب والخارجية الإسرائيليتان عددهم بمائة ألف ,يتواجد معظمهم في العاصمة الروسية موسكو.


وزارة الاستيعاب قامت بممارسة كل أسلوب ممكن لإعادة “النازحين” حيث قامت بتشجيع العودة بواسطة مواقع الانترنيت بالروسية, لكن ذلك لم يجد ولم يعد احد ولم يسجل احد كذلك.


بحسب موقع هارتس فان “النداء العاطفي الذي تم التوجه بواسطته إلى النازحين لم يجد ولم يؤثر عليهم شعار “عودوا إلى البيت” ,بالنسبة لهم لم تكن إسرائيل في يوم من الأيام بيتا ,وبالنسبة لآخرين فان روسيا بقيت بيتهم دائما ,معظمهم لا يرون أي تناقض بين العالمين” كما جاء.


لا يبدي عضو الكنيست سابقا افيغدور برونفمان وهو من أصل روسي ورجل أعمال حاليا,أية مفاجأة من المعطيات ويقول :”يرى اليهود الروس أنفسهم على أنهم ذوو مكانة منخفضة في البلاد “,ويضيف” في سنوات التسعين كانت إسرائيل بالنسبة لهم الدولة المتطورة لكن اليوم اسمع منهم على أن روسيا هي إمبراطورية في الثقافة والفرص ,وان إسرائيل هي دولة تقع بين آسيا وأفريقيا لا يمكن اليوم إعادة روس من روسيا”


ويرى الدكتور زئيف حنين وهو باحث في مجال العلوم السياسية في جامعة بار ايلان أن “اليهود الذين تركوا البلاد ويعيشون اليوم في روسيا وأوكرانيا لا يرون بأنفسهم أصلا على أنهم نازحون ,وفقط حين سمعوا الدعاية لإعادتهم عرفوا الأمر”.


ويضيف أن “غالبية الإسرائيليين في روسيا يرون بأنفسهم مهاجري عمل ,حيث يقومون بزيارات كثيرة لإسرائيل وكإسرائيليين فانه يختلطون جيدا في الجالية اليهودية المحلية ,إنهم لا يفهمون أصلا أن هذه الدعاية من اجلهم ومن اجل عودتهم إلى إسرائيل , وبالنسبة لهم فأنهم ما زالوا يرون أنفسهم على أنهم إسرائيليون ووطنيون كبار”.

مقالات ذات صلة