عين على العدو

اليهودي واللون الأحمر

في ذروة التهديد اليهودي باستخدام التكنولوجيا وأسلحة الدمار وأكثر من مائتي رأس نووي، يدور السجال الآن في أوساط الدولة العبرية حول اللون الأحمر، فقد أصدر الحاخام الياهو إفرجيل فتوى تحرم استخدام هذا اللون في ثياب الرجال والنساء والأطفال حتى داخل المنازل، لأنه لون خاص بالوثنيين، وبالتحديد هو لون عيسى أخ يعقوب.


 


وينطلق الحاخام في هذه الفتوى من سلفه موشين سوفير الذي عاش في فرانكفورت وعين حاخاماً للطائفة اليهودية في القرن التاسع عشر.


 


عندما قرأت هذا النبأ كان أول ما تبادر إلى ذهني هو أن الحاخام والجنرال معاً تشبعا حتى التخمة باللون الأحمر، وهو دم الفلسطينيين الذين لم ينقطع نزيفه منذ قرن، وإن كانت العقود الأخيرة قد شهدت المزيد منه حيث اصطبغت به الأرض وامتلأت سفوح الجبال بشقائق النعمان.



 


لا حاجة بهم إلى هذا اللون، ما دام قد أصبح حكراً على أطفال رضع وعجائز قتلوا ومزقت أجسادهم في زمن السلام الصهيوني، وإذا أضفنا ما يقوله الحاخام الياهو إلى ما سبق أن قاله مراراً وتكراراً الحاخام عوفاديا يوسف عن العرب، بوصفهم أبناء الأفاعي، فإن الصهيونية تكون قد توقفت عند طور العذراء بالمعنى الأيديولوجي وليس بالمعنى البيولوجي، وأن “الأسرلة”، أي تحول الحركة إلى دولة لم تستكمل نصابها بعد مرور أكثر من ستين عاماً على إعلان الدولة العبرية.


 


إن المرء ليصاب بالدهشة وهو يرى هذا الزواج السعيد وشهر العسل الطويل بين التكنولوجيا والخرافة، بحيث تصبح التكنولوجيا أحياناً خادماً للأسطورة، لهذا فإن المولود الناجم عن مثل هذا الزواج لا بد أن يبقى مسخاً وشائهاً، ويعاني من ازدواجية لا سبيل إلى التئامها وعلاجها.


 


إن تحريم اللون الأحمر بالذات على اليهود لأسباب مثيولوجية لا يعزله عن أسباب أخرى، منها اقتران هذا اللون بثورات وحركات سياسية في العالم المعاصر، كالأحزاب الشيوعية مثلاً، وقد حلّ اللون البرتقالي مكان اللون الأحمر في انتفاضات شعبية، بحيث أصبحت الثورات بالألوان وتطورت مثلما تطورت السينما وأجهزة التلفزيون، وهذا بحد ذاته يعتبر من الظواهر الطريفة في عصر الكوميديات الملونة، حيث حذفت الحدود والفواصل بين المفاهيم، وأصبحت القواميس بحاجة إلى إعادة تنقيح، لأنها حولت اللغات من وسيلة للتفاهم إلى وسيلة لتعميق سوء التفاهم، وهذا ما تنبه إليه أحد كتّاب مسرح العبث أو اللامعقول وهو يوجين يونسكو عندما كتب مسرحيته الشهيرة بعنوان “المغنية الصلعاء”.


 


حتى الألوان أصبحت مهددة بالاحتكار الأيديولوجي، فالأحمر للفلسطينيين، والأخضر لليهود، والأسود لمن يعلنون الحداد على التاريخ بعدما أعلن فوكوياما نبأ رحيله.


 


ما يجهله الحاخام وتوأمه الجنرال، هو أن الشاعر العربي سبقهم إلى وصف الحرية بأنها حمراء، ولها باب لا يصر أو يفتح إلا إذا كانت اليد التي تطرقه مضرجة بدم القلب.


 


إنهم يحرمون اللون الأحمر على أنفسهم ويحللونه على غيرهم.. شرط أن يكون بالنسبة للأغيار أو الجوييم هو لون الدم.

مقالات ذات صلة