عين على العدو

ماكين وأوباما ومزايدة في حب الدولة العبرية

لعل الدلالة الأبرز لمهرجان التنافس في حب الدولة العبرية بين المرشح الجمهوري (ماكين) ومنافسه الديمقراطي (أوباما) هي تلك المتعلقة بالمدى الرهيب الذي وصله النفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة.


 


نعلم أن أصحاب نظرية أن الدولة العبرية مجرد أداة من أدوات السياسة الأمريكية، وأنها مجرد “دولة وظيفية” لن يغيروا رأيهم، ولن يروا الفارق بين ما كان عليه الحال قبل عقود، وبين المرحلة الأخيرة بعدما سيطر اللوبي الصهيوني على الكونغرس، ومن بعده الرؤساء، كما في حالة كلينتون، وعلى نحو أكثر وضوحاً وحسماً في حالة بوش، وصار بوسعه فرض سياسات تتناقض حتى مع المصالح الأمريكية، مثل الحرب على العراق (نذكّر هنا بدراسة هارفارد الشهيرة).


 


ما جرى خلال الأيام الأخيرة، وقبله مهرجان الإذلال للمرشحين، لا سيما أوباما أمام منظمة “الإيباك” الصهيونية يؤكد ذلك بكل وضوح، إذ بات الموقف من الدولة العبرية من أهم محاور حملة الانتخابات، ربما لأن أصحابها هم الذين بوسعهم ترتيب سائر الأوراق الأخرى في الحملة، بما فيها الداخلية، وبالطبع عبر ما يملكونه من نفوذ سياسي واقتصادي وإعلامي.


 


بعد أسابيع من وقوفه أمام “الإيباك” لتأكيد ولائه للدولة العبرية، على أمل كسب، وأقله تحييد اليهود الذين يبدون أقرب لمنافسه ماكين، ها هو أوباما يحج إلى الدولة العبرية ليغازل أتباعها من هناك: من حائط المبكى ومن النصب التذكاري لضحايا الهولوكوست، ومن سديروت.


 


في الجانب الإخراجي الذي يداعب قلوب اليهود: اعتمر أوباما القلنسوة اليهودية ووضع ورقة أمنياته في “حائط المبكى”، بينما تفقد سديروت، تلك المدينة التي يقصفها “الإرهابيون الفلسطينيون” بصواريخهم، فيما خط بقلمه في كتاب نصب “الهولوكوست” كلاماً عاطفياً صيغ بعناية يقول: “ليأتي أولادنا إلى هنا ويعرفوا هذا التاريخ حتى يمكنهم ضم صوتهم لشعار: لن يحدث ثانية”، لكأنهم في حاجة إلى ذلك، هم الذين تجلدهم وسائل الإعلام بحشود من البرامج والأفلام التي تكرّس عندهم تلك العقدة.


 


في المقابل لم تدم زيارة أوباما لرام الله أكثر من ساعة واحدة 35 ( للطرف الثاني)، رفض خلالها تناول الغداء أو وضع إكليل من الزهور على قبر ياسر عرفات، أو حتى عقد مؤتمر صحفي، خشية الأسئلة المحرجة عن الاستيطان والممارسات الإسرائيلية.


 


في السياق السياسي فاجأ أوباما الإسرائيليين من جديد، ليس فقط بتأكيده من جديد على القدس عاصمة موحدة لكيانهم، وإن في إطار تفاهمات الوضع النهائي، بل أيضاً بتركيزه على سائر الملفات الأخرى التي تعنيهم (التحالف الاستراتيجي وضمان أمن الدولة العبرية، الموقف من السلاح النووي الإيراني، تأييد الغارة على المنشأة السورية التي قيل إنها نواة مشروع نووي)، مع حديث عن ضرورة فك التحالف بين سوريا وإيران، فضلاً عن الإشادة العاطفية بما أسماه “معجزة” إنشاء “إسرائيل”.


 


من جانب آخر، ورغم تقديم ماكين لما يكفي من الأدلة على تقدمه المشهود في مضمار خدمة الدولة العبرية، تماماً كما هو حال سلفه بوش، إلا أنه خشي على ما يبدو من تأثيرات زيارة أوباما، فكان أن منح مقابلة غير مسبوقة من مرشح رئاسي أمريكي للقناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي، أعاد فيها التأكيد على دعمه الشديد للدولة العبرية.


 


سيقال إن ذلك كله محض مزايدات انتخابية، الأمر الذي لا يبدو صحيحاً في واقع الحال، لأن أياً من المرشحين لن يكون بوسعه المساومة على دعم الدولة العبرية، ليس تمهيداً للولاية ثانية فحسب، بل كذلك خوفاً من النفوذ الصهيوني الهائل في الكونغرس وسائر القطاعات، والذي يمكنه إثارة المتاعب لأي رئيس. وعندما أحاط أوباما نفسه بعدد من رموز الصهاينة ذوي الصلة بالملف الإسرائيلي (دينيس روس، مارتن إنديك، دان كيرتزر، أرون ميلر)، فقد كان يدرك أهمية ذلك لحملته الانتخابية، ومن ثم لوضعه بعد الفوز.


 


لذلك كله ما زلنا نرى أن فوز ماكين بوجهه اليميني ورعونة سياساته أفضل بالنسبة لنا من فوز اوباما بما يستبطنه من عقد اللون والتراث العائلي، ومن ثم خدمة فوزه كأول رئيس أسود لصورة الولايات المتحدة ومن ثم مصالح الدولة العبرية.

مقالات ذات صلة