عين على العدو

من جديد..حوارات، وانفجارات!

لا ينبغي التعامل مع المشهد الفلسطيني بسذاجة وطيبة قلب زيادة! فمنذ اتفاقية أوسلو البغيضة ونحن نعيش على وهم كبير يسمى السلام، بينما كان الاحتلال يخطط ليل نهار كي ينغص على شعبنا، ويقهره ويقتل مجاهديه وأطفاله ونساءه، وبما أن هذه الاتفاقية حملت إجحافاً كبيراً بحق شعبنا وقضيتنا وحقوقنا، حيث كانت اتفاقية أمنية بامتياز تهدف إلى القضاء على أي بذرة للمقاومة، فكان لابد أن يكون لهذه الاتفاقية ما بعدها من مصائب وكوارث وإسقاطات علنية وسرية، بل وتجنيد جيش من حماة تل أبيب وحاملي مشروع البيت الأبيض بقصد أو بغيره..!


 


من هنا لا بد علينا إذا أردنا التطرق لأي قضية أمنية أو سياسية أن ننظر إلى أبعادها الأولية وتجلياتها على أرض الواقع، فبعض السياسية والدبلوماسية لا يجدي دائماً مع حاملي البنادق ودعاة القتل والإرهاب، بل سيجلب الوبال والدمار على القضية برمتها، فالاتفاقيات الأمنية التي تولدت عن المؤتمرات التآمرية على القضية الفلسطينية وضعت القضية الفلسطينية بعد عشر سنوات عجاف قبيل انتفاضة الأقصى المباركة في محل جديد، وبُعدٍ جديد، لا بد أن نتعامل معه بكل محترزاته، فقد تولد لدينا سلطة ضخمة بأعداد كبيرة تعتاش من رواتبها آلاف الأسر الفلسطينية التي كانت تتوق لتحسين أوضاعها المادية، فجاءت هذه السلطة الأمنية كي تخلق عشرات الأجهزة الأمنية وتوظف فيها عشرات الآلاف لتكون كلمة الفصل في هذا المضمار لنداء المعدة، ولصياح الأطفال، ولا يخفى على كل منصف أنها أصبحت بشكل تام سلطة استرزاق حقيقية لا تمت إلى القضية الفلسطينية ولا إلى الأهداف الوطنية بصلة، وليت الأمر توقف عند هذا الحد بل تجاوزه كثيراً لتصبح هذه الأجهزة الأمنية عبئاً كبيراً على المواطن الفلسطيني تقتل فيه كما تشاء، وتفسد في أعراضه على هواها، وحدث ولا حرج عن الفساد، وهو ليس بموضوعنا ، لكن ما أردت أن أشير إليه أن عندنا جيش يحمي قوت أولاده من وجهة نظره، ويحمي أمن الصهاينة بتخطيط الكبار الصغار!! مع الإشارة إلى أن لكل قاعدة شواذ، وأن الخير باقٍ في هذه الأمة، وشواهد التمرد على الظلم كثيرة، وأكبر شاهد على ما نقول سقوط هذه الأجهزة كأوهن من بيت عنكبوت في حزيران الحسم..!


 


كانت هذه مقدمة لا بد منها كي نعرف أن حركة المقاومة الإسلامية حماس التي فازت في الانتخابات التشريعية فوزاً ساحقاً ورثت مصائب، وكوارث هائلة، تتعلق بالجانب الأمني، ذلك أن هذا الجيش الضخم من الأجهزة الأمنية – التي شكلت بقرار صهيوني محض، ولولا موافقة الصهاينة لما كانت، ولما وجدت في الأصل- يحتاج إلى تطويع ليس بالسهل، وإلى إعادة تأهيل كبرى، وهنا دخل صناع الكوارث على المعادلة، ليقلبوا الموازين ولتكون هذه الأجهزة محلا للانقلاب على نتائج الانتخابات، ومحلا للابتزاز المالي، وللتطويع التنظيمي، فقد كان الانتماء الساحق لرواد هذه الأجهزة ومنتسبيها لحركة فتح، وهو الأمر الذي دمر حركة فتح وجعلها ترتع في وحل من الفساد الأمني والأخلاقي والسياسي بصورة لم يشهد التاريخ الفلسطيني مثيلاً لها..!


 


ولأن حركة حماس حركة دعوية في الأصل تهدف إلى خلق مجتمع إسلامي يؤمن بقضيته، كما يؤمن أن الحل لها لا يأتي إلى من طريق واحد، هو طريق الإسلام العظيم، فقد أخذت على عاتقها منذ أن فازت في الانتخابات أن تأتي القوم من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالحكمة والموعظة الحسنة، فساقت الوفود، وخلقت الوساطات، وشكلت الجبهات والجاهات كي تسير العملية الديمقراطية على ما يرام، وأن لا يحدث انشقاق داخل الصف الفلسطيني، وهي التي كانت تعض على جراحها إبان سلطة الذين فشلوا في الانتخابات، وهي التي قتل أبناؤها بسيوف الغدر والخيانة من قبلهم، وهي التي سجنت قيادتها، وحظرت، وعذبت أيما عذاب، لكنها قالت يومها كلمة الوحدة، ولم تحتفل بفوزها بالشكل الذي يثير حركة فتح، بل أرادت من انتصارها أن يكون عرساً فلسطينياً وحدويا يقهر العدو، ويفتح مجالاً للإصلاح والتغيير… لكن الأمر لم يكن كما تريد حماس، فالأصل أن القضية أكبر من ذلك بكثير، وأن اللاعبين فيها يلعبون على وتر حكمة حماس البالغة، ولهذا، وبعد العنت الشديد جاء الحسم العسكري في غزة، وحدث الانقسام، وفرض الحصار على الشعب الفلسطيني من قبل هؤلاء اللاعبين..!


 


رغم أن الحسم العسكري جلب حصاراً للشعب الفلسطيني في غزة سينجلي عما قريب، إلا أنه كان مفتاحاً لقضايا كبيرة وخطيرة جداً، وقد تكشفت البوائق على الطاولات، وعرف الصالح من الطالح، ورب ضارة نافعة، فما لم تكشفه عدسات الكاميرات وتحليلات السياسيين كبير جداً، لا يعرفه إلا من تحدثوا عن دخول المقرات الأمنية، وطالعوا الوثائق الخطيرة التي أبت حركة حماس أن تنشرها، استعمالاً منها للحكمة والموعظة الحسنة، ولقد قالت حركة فتح يومها وهي الراعي الرسمي لهذه الوثائق والفضائح.. قالت: إن كانت حماس صادقة فلتكشف عن هذه الوثائق، لكني لا أعتقد أن حماس ستكشف هذه الأسرار في الإعلام، بل قد تبعثها على أجهزة الفاكس الخاصة بقيادة حركة فتح فقد تخرسهم قليلاً، ولن يخرسوا..!


 


كما بعد الانتخابات، ورثت حماس بعد الحسم العسكري حملاً ثقيلاً، فقد وقع سيف التهديدات على رقاب مرتزقة الأجهزة الأمنية ورعاتها السياسيين، وانفض من يتقاضون رواتبهم من أمريكا والاتحاد الأوروبي عن الحركة، وعن مؤسسات السلطة، وتخلى أصحاب المشاريع الخارجية عن حكومة الوحدة الوطنية، وقررت أمريكا خلق واقع جديد، اعتقدت مع أذنابها في المنطقة أنه سوف يقضى على حركة حماس، لكن الأمر بعد أكثر من عام من الحصار والتضييق صار إلى أمن وأمان في غزة، واشتداد وتصليب لعود المقاومة، واستمرار ـ رغم الحصارـ لأداء الحكومة في غزة بشكل ممتاز إذا ما أخذنا اعتبارات الحصار ومؤامرات الداخل والخارج.


 


ولا بد أن نشير أنه رغم التغول الكبير وملاحقة الحركة من قبل العدو الصهيوني وأجهزة السلطة الأمنية في الضفة إلا أن الحركة لم تدخر جهداً في التقريب من وجهات النظر، وتوحيد شطري الوطن في بوتقة سياسية واحدة، لكن كل هذه الجهود باءت بالفشل لأن كل منصف يعلم أن أمريكا أرادت ذلك، ولأن مال الخدم في قبضتها.


 


ضبطت حماس غزة أمنياً بشكل عز نظيره من قبل، وعبر عنه قادة العدو الصهيوني باستهجان كبير من قدرة الحركة رغم كل الظروف على ضبط أمن غزة ، بل ومما زاد من عجبهم قدرة الحركة على ضبط التهدئة في القطاع وجمع جميع الفصائل الفلسطينية عليها، وهو الأمر الذي دعا كثير من الصهاينة إلى اعتبار حركة حماس لاعباً أساسياًّ بل هي اللاعب الفاعل في القضية الفلسطينية، لأنها حركة جماهيرية عقدية، وهو ما عبر عنه باراك قبل أشهر بعد عمليات الحساب المفتوح قائلاً: من يظن أن باستطاعته القضاء على حركة حماس فهو واهم..


 


إن هذا المظهر الأمني السائد في غزة مع الأخذ باعتبارات السلطة القديمة الأمنية، وما نتج عنها من جيش يأكل ويشرب الآن في قطاع غزة، ويتقاضى راتبه من مقاطعة رام الله، لحري بحكومة حماس أن لا تتهاون بشأنه أبداً، فلقد وصلنا إلى قناعة أن حركة فتح مضروبة في قراراتها وفي أمنها وفي أخلاقها بشكل كبير جداً ولقد اتسع خرقها على راقعها، وراقعها ليس بيده حيلة، إن لم يكن يحتاج هو للترقيع في الأصل! فلا ينبغي التعويل على دعوات الحوار التي يطلقها عباس ومن شاكله في المقاطعة ليذهب بعدها للتقبيل والعناق مع العدو، بل يجب أن تذهب هذه الدعوات الكاذبة أدراج الرياح في فكر حكومة حماس، ولا بد من الضرب بيد من حديد على يد المنفلتين من حركة فتح سيما بعد أن تكشف أن من يمول ويدعم هؤلاء الذين يصنعون الانفجارات في الشواطئ والحارات هم قيادات حركة فتح في رام الله، ورغم ذلك ما زالت قيادات فتح في غزة تدين لهم بالولاء المطلق، فلا شك أنهم شركاء في الجريمة إن لم يكن بشكل مباشر، فمن وراء حجاب، أو بالدس والمكر والخديعة، نقول ذلك لأن كل منصف صادق لم يعد يثق بحركة فتح مطلقاً.


 


جدير بالذكر أن هذه الانفجارات تأتي في موسم الصيف الذي تسمح فيه حركة حماس لحركة فتح أن تقيم الأعراس والأفراح والحفلات الماجنة التي تحرض على حركة حماس وحكومتها، وتغني صباح مساء، وتؤذي قيادات وأنصار الحركة بالكلمات اللاذعة الجارحة القذرة، ورغم أن كل هذه الحفلات والسهرات تحولت إلى حفلات سياسية بامتياز، بل أصبحت تمجد المجرمين القتلة، إلا أن حركة حماس لم تعر لهم بالاً، ولم تعتقل القائمين عليها على العكس تماماً مما يجري في الضفة المحتلة من منع للصلاة في المساجد وانتهاك للحرمات، وتنسيق أمني مقيت….!


 


ختام القول ـ وقد أطلت ـ أن على حكومة حماس في غزة أن لا تتعامل مع حركة فتح كحركة وطنية بريئة، بل عليها أن تدرك بالفعل ـ وهي تدرك ـ أن حركة فتح مضروبة في أمنها، ولا يمكن التعويل على قرارات قياداتها أو دعواتهم للحوار، ففي كل كلمة خير ظاهرة ينطقون بها صفحات من شر، وانفجارات غزة الجديدة بعد نقاشات الحوار معهم خير دليل، وشاهد حي، ولسنا ببعيد عن حوارات ما قبل الحسم العسكري، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين! 

مقالات ذات صلة